بواجب في الشريعة ؟ ومعنى القبيح العقلي : ما ينفر الحكيم عنه وينسب فاعله إلى
السفه ، على ما ذكره المحقّق الطوسي في بعض تصانيفه * .
وقد سنح لي شيئان يؤيّدان معنى ( 1 ) هذا الحديث الشريف :
أحدهما : نقليٌّ وهو قول الصادق ( عليه السلام ) : إنّ من قولنا : إنّ الله يحتجّ على العباد بما
اتاهم وعرّفهم ، ثمّ أرسل إليهم رسولا وأنزل عليهم الكتاب فأمر فيه ونهى ( 2 ) .
وجه التأييد أنّ هذا الحديث الشريف يدلّ على أنّه لم يتعلّق بأحد تكليف إلاّ
بعد بلوغ الخطاب إليه . وأمّا قوله ( عليه السلام ) : " بما أتاهم وعرّفهم " فيحتمل أن يكون إشارة
إلى ما تواترت به الأخبار عنهم ( عليهم السلام ) : من أنّه أخذ الإقرار بالربوبيّة من الأرواح في
شرح
* الحديث الّذي أشار إليه حديث القنوت . والاعتراض الّذي عليه وأشار إليه المصنّف
تقريره : إنّ الحديث أفاد إباحة كلّ شيء لم يبلغ المكلّفين فيه نهي ، وذلك تقتضي إباحة القبيح
الّذي لم يرد فيه نهي بخصوصه . وهذا معنى بطلان الحسن والقبح الذاتي .
وجواب المصنّف عن ذلك غير متّجه ، لأنّ المقرّر أنّ العقل لم يجوّز ورود الشرع بما يقطع
العقل ويقضي بقبحه ، ولهذا الدليل النقلي لا يعارض العقلي . وورود الشرع بما يوافق العقل في
الأحكام الّتي يقضي العقل بحسنها ويقطع ويجزم بذلك يكون الشرع معاضداً لها أو كاشفاً عن
حكم العقل . وكذلك الكلام فيما يقضي العقل بقبحها . والّذي ليس للعقل فيه دلالة على حسنه أو
قبحه يرجع حسنه وقبحه إلى أمر الشارع ونهيه ، والعقل لا يعارض ذلك ، لجواز حكمة خفيّة لا
يطلع عليها العقل توجب الحسن أو القبح .
إذا تقرّر ذلك علم أنّ القبيح لا شكّ أنّ العقل مانع منه ومبطل لدليل جوازه لو فرض وروده
من جهة الشرع ، فكيف يلزم الحكم بإباحته إذا لم يرد فيه بالخصوص نهي من الشرع ؟ فظهر أنّ المفهوم
من الحديث إباحة ما لم يقض العقل بقبحه بطريق القطع ، وذلك لا يبطل الحسن والقبح الذاتيّين .
وقول المصنّف : إنّ كثيراً من القبائح العقليّة ليس بحرام في الشريعة غير مسلّم ولا جائز
اعتقاده . نعم ما لم يجزم العقل بقبحه ويحتمل له وجه محسّن لا معارضة للعقل فيه ، ويقضي
بحسنه عند ورود الشرع به ، إذ لا مانع له من ذلك .
هامش
( 1 ) خ : مضمون .
( 2 ) الكافي 1 : 164 ، ح 4 .