- الوجه الرابع -
إنّ المسلك الّذي مداركه غير منضبطة - وكثيراً ما يقع فيها التعارضات واضطراب
شرح
سواه يكفي فيه العدالة الموثوق معها بعدم تعمّد الكذب ، ولولا ذلك لما تيسّر تبليغ الأحكام
الشرعيّة عن نبيّ أو إمام في الجهات والأقطار .
والمحذور الموجب للعصمة في النبيّ أو الإمام ليس هو مجرّد جواز أن يخبر عن ظنّ أو
خطاء حتّى يكون مثله في المجتهد ، بل إنّما هو للدليل العقلي ، وهو أنّ من يكون واسطة بين الله
وبين عباده ليبلغهم الدين والشريعة لا يجوّز العقل اتّصافه بصفات النقص وأنّ الحقّ - سبحانه
وتعالى - حيث اختاره من عباده بهذا المطلوب الجليل وجب من باب اللطف أن ينزّهه عن
الخطاء والغلط والنسيان وكلّ ما يخالف الغرض المختار له ليوافق الحكمة ، ولا نعلم حصول ذلك
له إلاّ بالمعجز الخارق للعادة ، وهذا في حقّ النبيّ ظاهر . وأمّا في الأئمّة فعلمنا ذلك بنصّ النبيّ
وتخصيصهم من الله سبحانه وتعالى بالطهارة والشرف والعلم وظهور الكرامات على وجه لا
يجوز العقل مجامعته للأدناس البشريّة ، وهذا عمدة الدليل على عصمتهم .
وأمّا خوف الكذب والغلط فلا يصلح وحده سبباً للعصمة ، لأنّ العدالة والورع والضبط ينفي
ذلك ، والاتّفاق واقع على قبول خبر العدل وإن لم ينتف عنه احتمال المحذور الّذي أوجب
العصمة ، بل نقل في المعالم الاتّفاق على صحّة قبول الزوجة خبر زوجها إذا كانت حائضاً وروى
لها حكماً عن المفتي ( 1 ) ولم يشترطوا عدالته . ونهاية ما يعتبر في قبول الخبر العدالة ، ولا يشترط
مع ذلك العلم بصدقه والاحتمال الغفليّ أو العاديّ بجواز الخطاء الّذي جعل محذوراً لا يؤثّر في
المخبر إذا كان عدلاً ، ويؤثّر في النبيّ والإمام ، لما ذكرناه من الفرق ، فلا ملازمة بينهما .
وإخبار المجتهد بالحكم لا يشترط فيه أن يكون في نفس الأمر كذلك على قول بعضهم ،
وعلى قول آخر أنّه حكم الله في نفس الأمر وأنّ لله أحكاماً مختلفة باختلاف المجتهدين فيها ،
وعلى كلا الأمرين فالأمر ظاهر في أنّه لا محذور فيه إلاّ احتمال تعمّد الكذب في اجتهاده في
ذلك الحكم أو إخباره بخلاف ما أدّاه اجتهاده إليه ، والعدالة تؤمن من ذلك .
فعلم أنّ خصوصيّة الظنّ لا مدخل لها في الاستدلال ، وإنّما هو احتمال الكذب في الإخبار
لا غير . وإن قلنا : إنّ المجتهد لا يخبر إلاّ عن علم ، لما اشتهر عند الأُصوليّين : أنّ ظنّية الطريق
هامش
( 1 ) معالم الدين : 247 .