قال : [ فكتب - ] ( 1 ) إليه ابن الحنفية : أما بعد ! فقد أتاني كتابك ترعد لي
وتبرق ، وتذكر أن الناس قد بايعوا واستقاموا ، وإنه لم يكن من شأني أن أبايع أحدا
حتى يجتمع الناس على رجل واحد ، كنت أنت أم غيرك ، وأيما واحد من الناس
رضوا به بايعته ، وإلا فهذا مكاني حتى يحكم الله بيني وبين من أرادني بسوء وهو
أحكم الحاكمين ، وأما ما ذكرت أنك تسقيني بكأس ابن الزبير إن أنا لم أستقم ولم
أبايع ، فإن ذلك ليس إليك ولا بيدك ، إن لله تعالى في كل يوم ثلاثمائة لمحة يحيي
ويميت ، ويعز ويذل ، ويرفع ويضع ، ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، وقد رجوت
أن يلحقك بعض لمحاته فيرد عني كيدك وبغيك وظلمك - والسلام ( 2 ) - .
قال : فلما ورد كتاب محمد ابن الحنفية على عبد الملك بن مروان غضب
لذلك ، ثم استشار أهل الشام في قتله ، فكل أشار عليه بذلك . قال : واتقى ابن
الحنفية وخشي أن يكتب إلى الحجاج فيأمره فيه بأمر ، ولم يجد من البيعة لعبد
الملك بن مروان بدا ، فعزم على الكتاب إليه في ذلك .
ذكر كتاب محمد ابن الحنفية
إلى عبد الملك بن مروان
قال : فدعا ابن الحنفية برجل من شيعته يكنى أبا عبد الله ويعرف بالجدلي
وكان من خيار شيعته ، فكتب معه كتابا إلى عبد الملك بن مروان : أما بعد ! فإني لما
رأيت هذه الأمة قد اختلفت نيتها ، وضيعت دينها ، وسفهت أحلامها ، ونبذت علم
كتاب الله ربها ، وسفكت دماءها بغير حق ، اعتزلتهم إلى البيت الحرام الذي من
دخله كان آمنا ، لأمنع بذلك دمي من الجهال والضلال والظالمين وكل جبار عنيد لا
يؤمن بيوم الحساب ، وتركت الناس أشياعا وأحزابا ، كل يعمل على شاكلته ، والله
يقضي بالحق ويحكم يوم القيامة بين الخلق ، فيجزي الذين أساؤوا بما عملوا
ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ، وقد كان من رأيي ورأي من اتبعني واقتدى برأيي أن
لا يجتمع بأحد اختلف ( 3 ) الناس عليه ، ولا يخالف أحدا اجتمع ( 4 ) الناس له ، وقد رأينا
هامش
( 1 ) زيادة اقتضاها السياق .
( 2 ) انظر مروج الذهب 3 / 139 وفيه أن كلام ابن الحنفية هذا قاله للحجاج بن يوسف .
( 3 ) الأصل : اختلفوا .
( 4 ) الأصل : اجتمعوا .