قال : فما كان بأسرع من أن قدم المختار من الطائف بعد ذلك بثلاثة أيام ،
فأقبل نحو البيت الحرام ، وعبد الله بن الزبير ينظر إليه وعنده نفر من أصحابه حتى دنا
المختار من البيت واستلم الحجر الأسود ثم طاف فصلى ركعتين وجلس ، فجاءه قوم
من أهل مكة فسلموا عليه وجلسوا عنده . فقال عبد الله بن الزبير لأصحابه : إني لا
أراه يصير إلينا ! فقال العباس بن سهل الأنصاري : إن شئت أتيتك به أو بخبره ! فقال
ابن الزبير : نعم فافعل .
فأقبل العباس بن سهل إلى المختار وسأله عن أحواله وأحوال بني عمه
بالطائف ، ثم قال : يا أبا إسحاق ليس مثلك من يغيب عما اجتمع عليه أهل الشرف
وبيوتات العرب ! فقال المختار : وما ذلك ؟ فقال العباس : إنه لم يبق حي من أحياء
العرب إلا وقد جاء عميدهم وبايع هذا الرجل عبد الله بن الزبير ، فعجبا لك ولرأيك
ألا ما أتيته فأخذت بحظك من هذا الأمر ! فقال المختار : والله يا أخا الأنصار ! إني
أتيته في العام الماضي وأشرت عليه بالرأي ودعوته إلى حظه فطوى أمره دوني ( 1 ) ،
ورأيته مستغنيا عني فأحببت أيضا أن رآني عنه مستغنيا ، فوالله إنه لأحوج إلي مني
إليه . فقال له العباس بن سهل : صدقت يا أبا إسحاق ! قد كان ذلك ، غير أنك
كلمته وهو ظاهر في المسجد وهذا كلام لا يجب إلا والستور دونك مسدولة والأبواب
دونك مغلقة ، ولكن القه الليلة وأنا معك حتى تسمع كلامه ويسمع كلامك ! فقال
المختار : إني فاعل ذلك إن شاء الله إذا صلينا العشاء الآخرة . قال : فنهض
الأنصاري من عنده إلى عبد الله بن الزبير فخبره بما كان منه .
فلما كان الليل وصليا العشاء الآخرة أقبل المختار ومعه العباس بن سهل
الأنصاري حتى صار إلى ابن الزبير ، قال : فمديده إلى المختار فصافحه ورحب به
ثم سأله عن أقربائه وأهله بالطائف ، فتحدثا ساعة ، ثم أقبل عليه ابن الزبير وقال :
إنك كلمتني بهذا الكلام والناس حضور والحيطان لها ( 2 ) آذان وليس من أحد إلا وله
عدو وصديق ، وهذا وقت خلوة فهات الآن ما عندك ! فقال المختار : إنه لا خير في
الإكثار عن المنطق ، ولاحظ في التقصير عن الحاجة ، وأنت اليوم رجل قومك وقد
جئتك أبايعك على أنه لا تقضي الأمور دوني وعلى أن أكون أول من تأذن له ( 3 ) وآخر
هامش
( 1 ) الأصل والطبري ، وفي ابن الأثير : فكتم عني خبره .
( 2 ) بالأصل : والحيطان ليس لها آذان .
( 3 ) عن الطبري وبالأصل : يأذنك عليك .