أخبرك أبا بكر ( 1 ) ! إني أظن بأن معاوية قد مات ، وذلك أني رأيت البارحة في منامي
كأن منبر معاوية منكوس ، ورأيت داره تشتغل نارا ، فأولت ذلك في نفسي أنه مات .
فقال له ابن الزبير : فاعلم يا بن علي أن ذلك كذلك ، فما ترى أن تصنع إن دعيت
إلى بيعة يزيد أبا عبد الله ؟ قال : أصنع أني لا أبايع له أبدا ، لأن الأمر إنما كان لي
من بعد أخي الحسن ، فصنع معاوية ما صنع وحلف لأخي الحسن أنه لا يجعل
الخلافة لأحده من بعده من ولده وأن يردها إلي إن كنت حيا ( 2 ) ، فإن كان معاوية قد
خرج من دنياه ولم يفئ لي ولا لأخي الحسن بما كان ضمن فقد والله أتانا ما لا قوام
لنا به ، انظر أبا بكر أنى أبايع ليزيد ويزيد رجل فاسق معلن الفسق يشرب الخمر
ويلعب بالكلاب والفهود ويبغض بقية آل الرسول ! لا والله لا يكون ذلك أبدا .
قال فبينما هما كذلك في هذه المحاورة إذ رجع إليهما الرسول ( 3 ) فقال : أبا
عبد الله ! إن الأمير قاعد لكما خاصة تقوما إليه ! قال : فزبره الحسين بن علي ثم
قال : انطلق إلى أمير لا أم لك ! فمن أحب أن يصير إليه منا فإنه صائر إليه ، وأما أنا
فإني أصير إليه الساعة إن شاء الله تعالى .
قال : فرجع الرسول أيضا إلى الوليد بن عتبة فقال : أصلح الله الأمير ! أما
الحسين بن علي خاصة فقد أجاب وها هو صائر إليك في إثري ، فقال مروان بن
الحكم : غدر والله الحسين ! فقال الوليد : مهلا ! فليس مثل الحسين يغدر ( 4 ) ولا
يقول شيئا ثم لا يفعل .
قال : ثم أقبل الحسين على من بحضرته فقال : قوموا إلى منازلكم فإني صائر
إلى هذا الرجل فأنظر ما عنده وما يريد . فقال له ابن الزبير : جعلت فداك يا بن بنت
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ! إني خائف عليك أن يحبسوك عندهم فلا يفارقونك أبدا دون أن تبايع
أو تقتل . فقال الحسين : إني لست أدخل عليه وحدي ، ولكن أجمع أصحابي إلي
وخدمي وأنصاري وأهل الحق من شيعتي ، ثم آمرهم أن يأخذ كل واحد سيفه مسلولا
تحت ثيابه ثم يصيروا بإزائي ، فإذا أنا أومأت إليهم وقلت : يا آل الرسول ادخلوا !
دخلوا وفعلوا ما أمرتهم به ، فأكون على الامتناع ، ولا أعطي المقادة والمذلة من
هامش
( 1 ) هي كنية عبد الله بن الزبير .
( 2 ) راجع ما لاحظناه - في المجلد الثاني - حول صلح الحسن ومعاوية .
( 3 ) لم يرد خبر رجوع الرسول إليهما في أي من المصادر .
( 4 ) بالأصل " يقدر " وما أثبتناه يوافق السياق .