عبد الله فقال : يا هذا ! لقد جئت بأمر ملفف ( 1 ) ، أردت أن تلقينا في لهوات الأسد ،
وأردت أن تخلط الشام بالعراق ، ولقد أطرأت ( 2 ) من ذكر صاحبك علي عند أهل
الشام ، ما ظنوا أنه على ما تقول ، حتى صح عندنا أنه هو الذي قتل الخليفة
عثمان بن عفان ، قال : فضحك جرير ثم قال : أما قولك بأني جئت بأمر ملفف ،
فكيف يكون ملففا وقد اجتمع عليه المهاجرون والأنصار وقوتل عليه طلحة والزبير ،
وأما قولك إني أردت أن أخلط الشام بالعراق ، فإن خلطهما على الحق خير من
تفريقهما على الباطل ، وأما قولك إن صاحبي قتل عثمان بن عفان ، فوالله ما في
يديك شيء من ذلك إلا القذف من مكان بعيد والله سائلك عن ذلك يوم القيامة !
ولكنك يا شرحبيل ملت إلى الدنيا كما مال غيرك ، وشئ كان في نفسك علي ( 3 ) ،
وستعلم عن قريب أن العاقبة للمتقين .
ذكر تسريح معاوية جرير بن عبد الله
إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
قال : فخرج شرحبيل من عند جرير مغضبا حتى دخل على معاوية فقال
لمعاوية : إننا قد علمنا أنك عامل أمير المؤمنين عثمان بن عفان ووليه وابن عمه ، فإن
كنت رجلا تجاهد عليا حتى تدرك بثأر عثمان وإلا عزلناك واستعملنا على أنفسنا سواك
ممن نريد ، ثم جاهدنا معه أبدا أو تفنى أرواحنا ونهلك عن آخرنا . فقال معاوية : ما
هامش
( 1 ) ملفف : في اللسان : أحاديث ملففة أي أكاذيب مزخرفة . وفيه : اللفف : ما لففوا من هاهنا
وها هنا ، كما يلفف الرجل شهادة الزور .
أطرأت : أطرأ القوم : مدحهم ، نادرة والأعراف بالياء ( اللسان ) .
( 3 ) وكان سبب التباعد بين جرير بن عبد الله وشرحبيل بن السمط . أن عمر بن الخطاب ( رض ) كان قد
بعث شرحبيل إلى العراق إلى سعد بن أبي وقاص وكان معه ، فقدمه سعد وقربه ، فحسده الأشعث بن
قيس لمنافسة بينهما ، فوفد جرير على عمر ، فقال له الأشعث : إن قدرت أن تنال من شرحبيل عند
عمر فافعل ، فلما قدم على عمر ، سأله عمر عن الناس ، فأحسن الثناء على سعد ، قال ، وقد قال
شعرا :
ألا ليتني والمرء سعد بن مالك * وزبرا وابن السمط في لجة البحر
فيغرق أصحابي وأخرج سالما * على ظهر قرقور أنادي أبا بكر
فكتب عمر إلى سعد يسأله أن يرسل زبرا وشرحبيلا إليه ، فأرسلهما ، فأمسك زبرا بالمدينة وسير
شرحبيلا إلى الشام ( ابن الأثير 2 / 360 ) .