معاوية بن أبي سفيان ، صالحه ( 1 ) على أن يسلم إليه أمر ( 2 ) المسلمين على أن يعمل
فيهم بكتاب الله وسنّة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وسيرة الخلفاء [ الصالحين ] الراشدين المهديّين
المهدين . وليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد إلى أحد من بعده عهداً ، بل يكون
الأمر من بعده شورى بين المسلمين . وعلى ( 3 ) أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض
الله تعالى في شامهم ، ويمنهم ، وعراقهم ، وحجازهم . وعلى أنّ أصحاب عليّ وشيعته
آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم حيث كانوا . وعلى معاوية بن أبي
سفيان بذلك عهد الله وميثاقه [ وما أخذ الله على أحد من خلقه بالوفاء وبما أعطى
الله من نفسه ] . وعلى أن لا يبغي ( 4 ) للحسن بن عليّ ولا لأخيه الحسين غائلة ولا
لأحد من أهل بيت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) غائلة سوء سرّاً أو ( 5 ) جهراً ، ولا يخيف أحداً منهم
في أُفق من الآفاق . شهد عليه بذلك فلان وفلان وكفى بالله شهيداً ( 6 ) .
هامش
( 1 ) في ( أ ) : صلحه .
( 2 ) في ( أ ) ، ولاية .
( 3 ) في ( أ ) : على .
( 4 ) في ( أ ) : لا ينبغي .
( 5 ) في ( ب ) : ولا .
( 6 ) لمّا اضطرّ الإمام الحسن ( عليه السلام ) إلى الصلح كتب وثيقة الصلح ، محمّلةً بأفدح الشروط الّتي تلقي بكافة
المسؤوليات على معاوية ، وحيث لم ترد كاملة في مصدر واحد فنشير إلى مصادرها فقط :
انظر البحار : 10 / 115 ط القديمة ، النصائح الكافية : 156 ط لبنان ، ابن أبي الحديد في شرح
النهج : 4 / 8 ، تاريخ الخلفاء : 194 ، البداية والنهاية لابن كثير : 8 / 41 ، الإصابة : 2 / 12 و 13 ، ابن
قتيبة : 150 ، أعيان الشيعة : 4 / 43 ، مقاتل الطالبيين 75 ، الإمامة والسياسة لابن قتيبة : 200 ، الطبري
في تاريخه : 6 / 92 ، علل الشرائع : 81 ، الطبقات الكبرى للشعراني : 23
وانظر حياة الحيوان للدميري : 1 / 57 ، تهذيب التهذيب : 2 / 229 ، تهذيب الأسماء واللغات
للنووي : 1 / 199 ، ذخائر العقبى : 139 ، ينابيع المودّة : 293 ، عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب
لجمال الحسنى : 52 ، تذكرة الخواصّ : 206 ، تاريخ دمشق : 4 / 221 ، تاريخ دول الإسلام : 1 / 53 ،
جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام : 112 ، تاريخ الخميس : 2 / 323 ، دائرة المعارف للبستاني :
7 / 38 ، الفتوح : 2 / 293 .
والخلاصة : أنّ وثيقة الصلح تضمّنت خمس مواد وهي :
1 - تسليم الأمر إلى معاوية على أن يعمل بكتاب الله وسنّة نبيه ( صلى الله عليه وآله ) وسيرة الخلفاء الصالحين .
2 - ليس لمعاوية أن يعهد إلى أحد من بعده والأمر بعده للحسن ، فإن حدث به حدث فلأخيه الحسين .
3 - أن لا يسمّيه أمير المؤمنين ، وأن يترك سبّ أمير المؤمنين والقنوت عليه بالصلاة وأن لا يذكر عليّاً
إلاّ بخير ، وان لا يقيم عنده شهادة .
4 - الأمن العامّ لعموم الناس الأسود والأحمر منهم سواء فيه ، والأمن الخاصّ لشيعة أمير المؤمنين
وعدم التعرّض لهم بمكروه .
5 - استثناء ما في بيت مال الكوفة وهو خمسة آلاف ألف ، فلا يشمله تسليم الأمر ، وأن يفضّل بني
هاشم في العطاء ، وأن يفرّق في أولاد من قتل مع أمير المؤمنين يوم الجمل وأولاد من قتل معه بصفين
ألف ألف درهم ، وأن يوصل إلى كلّ ذي حقّ حقّه .
وممّا يجدر ذكره أن بعض المؤرّخين والباحثين أصرّ على المغالطات والمجادلات ولعب بالألفاظ
وأورد انّ الإمام الحسن ( عليه السلام ) قد تنازل عن الخلافة لمعاوية بما لكلمة التنازل من المعنى الخاصّ ، ونحن
لو رجعنا إلى التاريخ لم نجد ولم يرد على لسان أحد ما يشعر من خطبه ( عليه السلام ) أنه تنازل عن الخلافة بل إنّ
المصادر تشير إلى أنه ( عليه السلام ) سلّم الأمر أو ترك الأمر لمعاوية وذلك من خلال ملاحظتنا للشروط الّتي ورد
فيها إسقاطه إيّاه عن إمرة المؤمنين وأنّ الحسن ( عليه السلام ) عاهده على أن لا يكون عليه أميراً ، إذ الأمير هو الّذي
يأمر فيؤتمر له ، ولذا أسقط الإمام الحسن ( عليه السلام ) الائتمار لمعاوية إذ أمره أمراً على نفسه ، والأمير هو الّذي
أمّره مأمور من فوقه ، فدلّ على أنّ الله عزّوجلّ لم يؤمّره عليه ولا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أمّره عليه ، ولذا لا يقيم
عنده شهادة ، فكيف يقيم الشهادة عند من أزال عنه الحكم ؟ لأنّ الأمير هو الحاكم ، وهو المقيم للحاكم ،
ومن ليس له تأمير ولا تحاكم فحكمه هذر ولا تقام الشهادة عند من حكمه هذر .
كذلك أن الإمام ( عليه السلام ) علم أنّ القوم جوّزوا لأنفسهم التأويل وسوّغوا في تأويلهم إراقة ما أرادوا إراقته
من الدماء وان كان الله عزّوجلّ حقنَه ، ولذا اشترط عليه أن لا يتعقب على شيعة عليّ ( عليه السلام ) شيئاً ، وأنّ
الإمام ( عليه السلام ) يعلم أن تأويل معاوية على شيعة عليّ ( عليه السلام ) بتعقّبه عليهم ما يتعقبه زائل مضمحلّ فاسد ، كما أنه
أزال إمرته عنه وعن المؤمنين ، وأن إمرته زالت عنه وعنهم ، وأفسد حكمه عليه وعليهم ، وبالتالي تكون
حينئذ داره دائرة وقدرته قائمة لغير الحسن ولغير المؤمنين فتكون داره كدار بخت نصر وهو بمنزلة
دانيال فيها وكدار العزيز وهو كيوسف فيها .
ولا نريد أن تطيل في ذلك بأن نقول كما قال أنس " يوم كُلّم الحسن " ولم يقل يوم بايع . إذ لم يكن
عنده بيعة حقيقية وإنما كانت مهادنة كما يكون بين أولياء الله وأعدائه لا مبايعة بين أوليائه وأوليائه ، فرأى
الحسن ( عليه السلام ) رفع السيف مع العجز بينه وبين معاوية كما رأى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) رفع السيف بينه وبين أبي سفيان
وسهل بن عمرو ، ولذا قال الإمام الحسن ( عليه السلام ) في جوابه لبعضهم : . . . لا تقل ذلك يا أبا عامر ، لم أُذلّ المؤمنين ،
ولكن كرهت أن أقتلهم على الملك . . . كما جاء في أعيان الشيعة : 4 ق 1 : 52 وقوله ( عليه السلام ) : . . . إن معاوية
زعم أني رأيته للخلافة أهلا ولم أرَ نفسي لها أهلا ، فكذب معاوية نحن أولى الناس بالناس في كتاب الله
عزّوجلّ وعلى لسان نبيه . . . كما جاء في حياة الحيوان للدميري : 1 / 58 . وهذا تصريح خطير بأنّ
الولاية له من الله على الناس لا زالت قائمة ، حتّى تسليم الأمر لمعاوية ، وأنّ التسليم ليس إلاّ ترك الملك .
وقال ( عليه السلام ) وكان معاوية حاضراً : . . . وليس الخليفة من دان بالجور ، وعطّل السنن واتخذ الدنيا أباً وأُماً ،
ولكن ذلك ملك أصاب ملكاً تمتّع به ، وكأن قد انقطع عنه واستعجل لذّته ، وبقيت عليه تبعته ، فكان كما
قال الله عزّوجلّ : ( وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فتنة لَّكُمْ وَمَتَعٌ إِلَى حِين ) . الأنبياء : 111 . وهذا تعريض بمعاوية وأنه
ليس أهلا للخلافة وانما هو ملك يطلب الدنيا . . . انظر المحاسن والمساوي للبيهقي : 1 / 133 ،
الاحتجاج : 1 / 419 الخرائج والجرائح : 218 ، ذخائر العقبى : 140 ، شرح النهج لابن أبي الحديد :
16 / 49 ، مقاتل الطالبيين : 73 ، تحف العقول : 164 .