وبلغ الحسن ( عليه السلام ) ذلك وتحقّق فساد نيّات أكثر أصحابه وخذلانهم له ، ولم يبق معه
ممّن يأمن غائلته إلاّ خاصّة شيعته وشيعة أبيه ، وهم جماعة لا يقومون بحرب أهل
الشام ، فكتب إلى معاوية في الهدنة والصلح ( 1 ) فأجابه إلى ذلك وأنفذ إليه كُتب
أصحابه الذين ضمنوا له فيها الفتك فيه وتسليمه إليه .
وبعد إجابة ( 2 ) معاوية لصلح الحسن ( 3 ) فاشترط عليه الحسن ( عليه السلام ) شروطاً كثيره كان
هامش
( 1 ) في ( ب ) : الصلاح .
( 2 ) ( أ ) : ووصل ( بدل ) وبعد إجابة .
( 3 ) اختلف المؤرّخون اختلافاً كثيراً فيمن بدر لطلب الصلح ، فابن خلدون في تاريخه : 2 / 186 ذهب
إلى أنّ المبادر لذلك هو الإمام الحسن ( عليه السلام ) حين دعا عمرو بن سلمة الأرحبي وأرسله إلى معاوية يشترط
عليه بعد ما آل آمره إلى الانحلال ، وقال ابن الأثير في الكامل : 3 / 205 مثل ذلك لأنّ الإمام الحسن ( عليه السلام )
رأى تفرّق الأمر عنه ، وجاء مثله في شرح النهج لابن أبي الحديد : 4 / 8 .
وأمّا ابن أعثم في الفتوح : 2 / 292 قال : ثمّ دعا الحسن بن عليّ بعبد الله بن نوفل بن الحارث بن
عبد المطّلب بن هاشم وهو ابن أُخت معاوية فقال له : صر إلى معاوية فقل له عني : إنك إن أمنت الناس
على أنفسهم . . . وقريب من هذا في تاريخ الطبري : 6 / 92 ، والبداية والنهاية : 8 / 15 ، وابن خلدون :
2 / 186 ، وتاريخ الخلفاء : 74 ، والأخبار الطوال : 200 ، وتاريخ اليعقوبي : 2 / 192 .
أمّا الفريق الآخر فقد ذكر أنّ معاوية هو الّذي طلب وبادر إلى الصلح بعد ما بعث إليه برسائل
أصحابه المتضمّنة للغدر والفتك به متى شاء معاوية أو أراد ، كما ذكر الشيخ المفيد في الإرشاد : 2 / 13
و 14 وصاحب كشف الغمّة : 154 ، ومقاتل الطالبيّين : 74 ، وتذكرة الخواصّ لسبط ابن الجوزي : 206
ولكننا نعتقد أنّ معاوية هو الّذي طلب الصلح ، وممّا يدل على ذلك خطاب الإمام الحسن ( عليه السلام ) الّذي ألقاه
في المدائن وجاء فيه : ألا وإنّ معاوية دعانا لأمر ليس فيه عزّ ولا نصفه . . . وقد أشرنا إليه سابقاً .
وكذلك اختلف المؤرّخون اختلافاً كبيراً واضطربت كلماتهم في شروط الصلح . فمنهم من قال : إنّ
الإمام الحسن ( عليه السلام ) أرسل سفيرين إلى معاوية هما عمرو بن سلمة الهمداني ، ومحمّد بن الأشعث الكندي
ليستوثقا من معاوية ويعلما ما عنده ، فأعطاه معاوية هذا الكتاب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب للحسن بن عليّ من معاوية بن أبي سفيان ، إنّي صالحتك على أن
لك الأمر من بعدي ، ولك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمّد ( صلى الله عليه وآله ) ، وأشدّ ما أخذه الله على أحد
من خلقه من عهد وعقد ، لا أبغيك غائلة ولا مكروهاً ، وعلى أن أُعطيك في كلّ سنة ألف ألف درهم من
بيت المال ، وعلى أنّ لك خراج بَسَا ودار أبجرد ، تبعث إليهما عمّالك ، وتصنع بهما ما بدالك . شهد بها
عبد الله بن عامر ، وعمرو بن سلمة الكندي ، وعبد الرحمن بن سمرة ، ومحمّد بن الأشعث الكندي ، كتب
في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين هجرية .
واحتفظ الإمام ( عليه السلام ) برسالة معاوية ، وأرسل إليه عبد الله بن الحارث بن نوفل . . . ولمّا انتهى عبد الله
إلى معاوية عرض عليه مهمّة الإمام ( عليه السلام ) وهي طلب الأمن العامّ لعموم الناس . . . فاستجاب له وأعطاه
طوماراً وختم في أسفله وقال له : فليكتب الحسن فيه ما شاء . . . وهذا هو التفويض المطلق للإمام
فكتب ( عليه السلام ) ما رامه من الشروط . فانظر الكامل في التاريخ : 3 / 205 ، وتاريخ الطبري : 6 / 93 .