آتاه الله تعالى فيها الحكمة [ وفصل الخطاب ، وجعله آيةً للعالمين ] كما آتاها
يحيى صبيّاً وجعله إماماً في حال الطفولية [ الظاهرة ] كما جعل عيسى بن
مريم في المهد نبيّاً . وقد سبق النصّ عليه في ملّة الإسلام من نبيّ الهدى ( 1 )
عليه الصلاة والسلام ، ثمّ ( 2 ) من جدّه [ أمير المؤمنين ] عليّ بن أبي طالب [ ونصّ
عليه الأئمّة ( عليهم السلام ) واحداً بعد واحد إلى أبيه ( عليه السلام ) ، ونصّ أبوه عليه عند ثقاته وخاصّة
شيعته ، وكان الخبر بغَيبته ثابتاً قبل وجوده ، وبدولته مستفيضاً قبل غَيبته ]
ومن بقية آبائه أهل الشرف والمراتب ، وهو صاحب السيف والقائم بالحقّ
المنتظَر [ لدولة الإيمان ] كما ورد ذلك في صحيح الخبر ، وله قبل قيامه غَيبتان ( 3 )
هامش
( 1 ) في ( أ ) : النبي محمّد .
( 2 ) في ( أ ) : وكذلك .
( 3 ) لكلمة الغَيبة هنا معنيان :
انه ( عليه السلام ) يختفي بجسمه عن العيون ، مع كونه موجوداً ، فهو يرى الناس ولا يرونه ، كما أنّ العيون لا ترى
الأرواح ولا الملائكة ولا الجنّ مع تواجدها في المجتمعات البشرية ، وقد تظهر الملائكة حتّى لغير
الأنبياء كما ظهرت لسارة زوجة إبراهيم ( عليهما السلام ) ولمريم بنت عمران ( عليهما السلام ) أمّا للأنبياء فقد ظهر جبرائيل
لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وكذلك ظهرت يوم بدر للمسلمين . . . الخ .
وهنالك أدلّة تثبت ذلك للإمام المهدي عجّل الله فرجه ، فقد ورد في كمال الدين : 381 ح 5 ، و 648
ح 4 ، و 319 بإسناده عن الريّان بن الصلت قال : سمعته يقول : سئل أبو الحسن الرضا ( عليه السلام ) عن القائم ( عليه السلام )
فقال : لا يرى جسمه ولا يسمى باسمه . . . وأخرج عن الصادق ( عليه السلام ) قال : الخامس من ولد السابع يغيب
عنكم شخصه ولا يحلّ لكم تسميته . وعن زرارة قال : سمعت أبا عبد الله ( عليه السلام ) يقول : يفقد الناس إمامهم
فيشهد الموسم فيراهم ولا يرونه .
وهذا هو السبب الّذي جعل الإمام ( عليه السلام ) يختفي عن طريق الإعجاز الإلهي عن عيون الظالمين من بني
العبّاس وبقية الظالمين ، وفي اختفائه هذا مأمن قطعي من أيّ مطاردة أو تنكيل ، وله أُسوة بجده ( صلى الله عليه وآله ) عندما
غيّب عن أبصار قريش حينما اجتمعوا على قتله فقد خرج من بينهم وهم لا يشعرون . ولذا فهو ( عليه السلام )
محتجباً عن أعين الناس إلاّ أنّه كان يلتقي بخواصّه من المؤمنين الصالحين بحدود المصلحة ، فإن
اقتضت الضرورة أن يظهر ظهوراً تامّاً تحقّق ذلك ثمّ يحتجب فجأةً فلا يراه أحد بالرغم من وجوده في
نفس المكان ، وإذا اقتضت الضرورة أن يكون ظهوره لشخص دون آخر تعيّن ذلك . ومن أراد المزيد
فليراجع تاريخ الغيبة الصغرى للسيّد محمّد الصدر : 314 فإنه ظهر ( عليه السلام ) لعمّه جعفر الكذّاب مرّتين ثمّ
اختفى من دون أن يعلم أين ذهب ، وانظر النجم الثاقب للمحدّث النوري : 351 .
ويتفرّع على هذا أنّ الناس يرونه ( عليه السلام ) بشخصه دون أن يعرفوه أو ملتفتين إلى حقيقته ، ولذا أصبح
لا يكاد يتصل بالنّاس إلاّ عن طريق سفرائه الأربعة ، ثمّ تقدّمت السنيين وتقدّمت الأجيال فقلّ الذين
عاصروا الإمام العسكري وشاهدوا ابنه ( عليهما السلام ) حتّى انقرضوا وأمّا الجيل الّذي يشكّل التيّار العامّ فلا يعرف
أيّ سحنة وشكل إمامه عجّل الله فرجه بحيث لو واجهوه لما عرفوه البتة إلاّ بإقامة الدليل القطعي ، وبهذا
يمكن للإمام المهدي عجّل الله فرجه أن يعيش في أيّ مكان يختاره وتكون حياته عادية كحياة أيّ
شخص يكتسب عيشه ويعمل .
والأخبار بهذا واردة منها ما أخرجه الشيخ الطوسي في الغيبة : 221 عن السفير الثاني محمّد بن
عثمان العمري أنه قال : والله إنّ صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كلّ سنة يرى الناس ويعرفهم ويرونه
ولا يعرفونه . ولهذا فإنّ الاختفاء بالجسم هو المأمن الوحيد عن الخطر . ولذا يقول ( عليه السلام ) لسفيره محمّد بن
عثمان : فإنهم إن وقفوا على الاسم أذاعوه ، وإن وقفوا على المكان دلّوا عليه . انظر الغيبة للطوسي : 222 .
ونحن لسنا بصدد بيان الأطروحات وأيهنّ أصحّ ولكن نرجّح الثانية من خلال ترجيح أكابر العلماء لها .
أمّا ما ورد من شبهات وردود من قِبل بعض المشكّكين والحاقدين من أنّ الشيعة يعتقدون بأنّ
الإمام غاب في السرداب ، مع العلم أنه لا يوجد ولم يوجد أحد من الشيعة يعتقد بذلك . انظر تاريخ الغيبة
الصغرى للسيّد محمّد الصدر : 563 وقصة السرداب هي من المخاريق والأباطيل الّتي اتّهمت الإمامية بها
دون إنصاف لتشويه عقيدتهم المشرّفة .
والسِرداب - بكسر السين - بناء تحت الأرض يُلْجأ إليه من حَرِّ الصيف وكانت أكثر البيوت
والمساكن ولا زالت لحدّ الآن في المناطق الحارّة وغيرها مزوّدة بالسِراديب ، والسرداب لا يزال موجوداً
في جوار مرقد الإمامين الهادي والعسكري ( عليه السلام ) وبناؤه تجدّد مرّات عديدة والمكان نفسه لا يتغيّر والزوّار
يحترمون هذا السرداب لشرافته وقدسيته لأنه كان مسكناً لثلاثة من الأئمّة ( عليهم السلام ) وهنا يتمثّل قول الشاعر
وما حُبُّ الديار شَغَفْن قلبي * ولكنْ حُبُّ مَنْ سكن الديارا
ولكن انظر إلى قول المنحرفين والحاقدين وأصحاب الأقلام المأجوره تكتب شعراً
ما آنَ للسِرداب أنْ يَلِدَ الّذي * سَمَّيتُمُوه بزعمكم إنساناً
وبقيت هذه الأُكذوبة تتداول وتنتقّل من جاهل إلى حاقد ومن كذّاب إلى دجّال ، حتّى وصل الجهل
بهم أن قال ابن خلدون في المقدمة : 359 إنّ السرداب في مدينة الحلّة بالعراق - الّتي تبعد عن سامراء
ما يقارب 300 كيلومتر - وأضاف : أنّ الشيعة يأتون في كلّ ليلة بعد صلاة المغرب بباب هذا السرداب . . .
ويصرخون وينادون يا مولانا اخرُج إلينا ! ويضيف ابن خلدون بأنّ الإمام المنتظر قد اعتقل مع أُمه في
الحلّة وغاب فيها . . . ونحن لا نريد أن نعلّق على هذه الأكاذيب إلاّ أن نقول : ألا لعنة الله على الكاذبين . . .
ألا لعنة الله على كلِّ مفتر أفّاك . ثمّ نقول : هل ذكر لنا ابن خلدون أحداً من مؤرخي الشيعة أو السنّة أنّ
الإمام ( عليه السلام ) قد اعتُقل أو السلطة ألقت القبض عليه ولو مرّة واحدة بل ولو ساعة سواء في الحلّة أم سامراء
أم بغداد ؟ !
وهناك قول آخر يذهب إليه السويدي في سبائك الذهب : 78 فيقول : وتزعم الشيعة أنه غاب في
السرداب بسرّ من رأى والحرس عليه سنة ( 262 ه ) .
وهناك قول ثالث يقول في بغداد . . . وهاهو ابن تيمية يذهب إلى القول كما جاء في منهاج السنّة
فيقول : إنّ الشيعة تعتقد أنّ الإمام باق في السرداب الواقع في سامراء وينتظرون خروجه . . . ومثل ذلك
قول ابن حجر في الصواعق المحرقة : 100 . وسار القصيمي على منوالهم في كتابه الصراع بين الإسلام
والوثنية : 1 / 374 .
وانظر تعليق الشيخ الأميني ( رحمه الله ) في الغدير : 3 / 308 على هذا الافتراء الكاذب المصحوب بأقبح
الألفاظ والّذي لا يصدر من أدنى مسلم نطق بالشهادتين .
وعلى عكس هؤلاء المنكرين يوجد فريق آخر من المؤرّخين يؤمنون به وقالوا الكثير في حقّه من
المدح والثناء ، ولسنا بصدد بيان كلّ من قال بحقّه عجّل الله فرجه بل نذكر طرفاً منهم على سبيل المثال
لا الحصر مع ذكر مصادرهم علاوة على المصنّف ابن الصبّاغ المالكلي ( رحمه الله ) .
محمّد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول : 2 / 79 ، و : 78 ط الحجر ، القطب الراوندي في
الخرائج والجرائح : 2 / 901 ، ابن العربي في الفتوحات المكّية : 3 / 429 - 430 ، العلاّمة سبط ابن
الجوزي في تذكرة الخواصّ : 324 ، ابن الأثير في تاريخه : 5 / 373 ، الشبراوي الشافعي في الاتحاف
بحبّ الأشراف : 178 ، القرماني في أخبار الدول : 117 ، إسماعيل أبو الفداء في تاريخه : 2 / 52 ،
الهاشمي الحنفي في أئمة الهدى : 138 ، ابن خلّكان في وفيات الأعيان : 2 / 451 ، الذهبي في تاريخ
دول الإسلام : 5 / 115 ، يوسف النبهاني في جامع كرامات الأولياء : 1 / 389 ، البستاني في دائرة
المعارف : 7 / 45 .
وكذلك والشبلنجي في نور الأبصار : 342 - 349 ، العبّاس بن نور الدين في نزهة الجليس :
2 / 184 ، الشيخ المفيد في الإرشاد : 2 / 339 ، الإربلي في كشف الغمّة : 3 / 223 ، الزركلي في الأعلام :
6 / 309 و 310 ، الكاشفي في روضة الشهداء : 326 ، أحمد دحلان في الفتوحات الإسلامية : 2 / 322 ،
ابن شهرآشوب المازندراني في مناقب آل أبي طالب : 4 / 421 ، محمّد بن يوسف الكنجي الشافعي في
كفاية الطالب : 473 وكذلك في البيان في أخبار صاحب الزمان : 81 - 160 ، القندوزي الحنفي في
ينابيع المودّة : 3 / 171 وما بعدها ط أُسوة ، و : 471 ط آخر .