ألفاً ، فأرسل عليّ ( عليه السلام ) عشية اليوم الثالث من نزولهم عبد الله بن عباس إلى طلحة
والزبير بالسلام ، وأرسل طلحة والزبير إلى عليّ بالسلام ، وتردّدت الرسل بينهم في
الصلح فتداعوا إليه ، وشاع ذلك في الفئتين فسرّ الناس بذلك وباتوا بليلة لم يبيتوا
بمثلها من الفرح والسرور . ولمّا أشرفوا عليه من الصلح وبات الّذين أثاروا أمر
عثمان بأسوأ ليلة لما رأوه ونظروه من تراسل القوم وتصافيهم ، فباتوا يتشاورون
ليلتهم فأجمع رأيهم على إنشاب الحرب مع الفجر .
[ قال : ] فلمّا كان غلس الصبح ثاروا إلى أصحاب طلحة والزبير ، مضرهم إلى
مضرهم ، وربيعتهم إلى ربيعتهم ، ووضعوا فيهم السلاح ، فثارت كلّ قبيلة إلى أُختها ،
وقام الحرب بينهم وثبت القتال ، ولم يدر الناس كيف الأمر ولا كيف كان ( 1 ) . فقام في
الميمنة أصحاب [ طلحة ] عبد الرحمن بن الحارث ( 2 ) ، وفي الميسرة عبد الرحمن
[ بن ] عتاب ( 3 ) ، وفي القلب طلحة والزبير ( 4 ) فقالوا لأصحابهم : كيف كان هذا الأمر ؟
هامش
( 1 ) سبق وأن أشرنا إلى ذلك ودور مروان في نشوب القتال ولا نريد تكراره هنا ، لكن المصنّف أخذ هذا
الكلام من تاريخ الطبري : 3 / 517 - 518 .
( 2 ) ذكر ذلك الطبري في تاريخه : 3 / 518 .
( 3 ) المصدر السابق . وعبد الرحمن بن عتاب بن أُسيد بن أبي العيص القرشي الأُموي أُمّه جويرية بنت
أبي جهل ، وكان اسم سيفه " ولول " وقطعت يده وفيها خاتمه قالوا : فخطفها نسر ذلك اليوم وطرحها
بالمدينة أو اليمامة فعرفت يده بخاتمة . ( انظر الطبري : 5 / 210 ، أُسد الغابة : 3 / 308 ، نسب قريش : 193 ) .
( 4 ) المصدر السابق ولكنّه ذكر " وثبتنا في القلب " بدل " وفي القلب طلحة والزبير " وهذا يدلّ على أنّ
طلحة والزبير هما يعبّئان الجيش . ولكن ابن أعثم في الفتوح : 1 / 463 قال : . . . فكانت الخيل كلّها إلى
طلحة ، ورجّالة إلى عبد الله بن الزبير ، وعلى خيل الميمنة مروان بن الحكم ، وعلى رجّالتها
عبد الرحمن بن عتاب بن أُسيد ، وعلى خيل الميسرة هلال بن وكيع الدارمي ، وعلى رجّالتها حاتم بن
بكير الباهلي ، وعلى الجناح عمر بن طلحة ، وعلى رجّالتها عبد الله بن حكيم بن حزام ، وعلى خيل
الكمين جندب بن يزيد المجاشعي ، وعلى رجّالتها مجاشع بن مسعود السلمي . وصاح رجل من بني
ضبة : وطّنوا أنفسكم على الصبر . . . وأنشأ أبياتاً مطلعها
ألا قولا لطلحة والزبير * وقولا للذين هم النصار
فقال له الزبير : بئس ما قلت يا أخا بني ضبة . . .
وبلغ ذلك عليّ بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) فقال : إنّ القوم قد تعبوا لحربكم ، فماذا عندكم من الرأي ؟ فقال له
رفاعة بن شدّاد البجلي : يا أمير المؤمنين تعبية لتعبية . . . وأنشأ ابياتاً مطلعها :
أتتك الأُمور بسعد السعود * وسرت إلى الفئة الناكثة
قال : ودنا عليّ في أصحابه من البصرة ، فقال طلحة بن عبيد الله لأصحابه : اعلموا أيّها الناس ! أنّ
علياً وأصحابه قد أضرّ بهم السفر وتعب الطريق ، فهل لكم أن نأتيهم الليلة فنضع فيهم السيف ؟ فقال
مروان بن الحكم : والله لقد استبطأت هذه منك أبا محمّد ، وليس الرأي إلاّ ما رأيت ، قال : فضحك الزبير
من ذلك ثمّ قال : أمن عليّ تصاب الفرصة وهو مَن قد عرفتم ؟ أما علمتم أنّه رجل ما لقيه أحد قطّ إلاّ
ثكلته أُمّه ؟ فسكت طلحة ولم يرد إلى الزبير شيئاً .
قال : ثمّ وثب رجل من أصحاب الزبير يكنّى أبا الجرباء فقال للزبير : أبا عبد الله أمّا الرأي عندي إلاّ
أن تبيتوا هذا الرجل ، فإنّ الرأي في الحرب من النجدة ، فقال له الزبير : يا أبا الجرباء إنّنا لنعرف من
الحرب ما لم يعرفه كثير من الناس . . . نقلنا ذلك من ابن أعثم في الفتوح : 1 / 463 - 466 بتصرّف .
ونحن نسأل بدورنا الطبري وابن الأثير وابن حزم وابن تيمية وغيرهم : أو لم يكف هذا بأنّ القوم قد
صمّموا على الحرب مهما بذل الإمام عليّ ( عليه السلام ) من نصائح ورسائل ووفود ؟ ! ولو أردنا استعراض كلّ
الرسائل والخطب والمساجلات بينه ( عليه السلام ) وبين طلحة والزبير وعائشة وكيفية اعتزال الزبير الحرب وخبر
الفتى الّذي حمل المصحف إلى أصحاب الجمل يدعوهم إليه لأصبحت كتاباً منفرداً ، وقول الفتى : يا
هؤلاء : هذا كتاب الله عزّ وجلّ بيننا وبينكم ، قال : فضرب رجل من أصحاب الجمل يده اليمنى فقطعها ،
فأخذ المصحف بشماله فقطعها ، فاحتضن المصحف بصدره ، فضرب على صدره حتّى قُتل ( رحمه الله ) ، فنظرت
إليه أُمّه وقد قتل فأنشأت أبياتاً :
يا رب إنّ مسلماً أتاهم * بمحكم التنزيل إذ دعاهم
وقام ابن عمّ له يرثيه بقوله :
تناوله شقيّ منهم بضربه * أبان بها يمناه حتّى تصوب
انظر الأبيات الأُولى والثانية في تاريخ الطبري : 5 / 206 و 216 ، و : 3 / 522 باختلاف يسير ،
ومروج الذهب : 2 / 9 و 13 .