ويتشغّب ، فدخل الرسول على عليّ بن أبي طالب وأعطاه [ الطومار ] ففضّ خاتمه
وفتحه إلى آخره فلم يجد فيه كتابة فقال للرسول : ما وراءك ؟ قال : آمن أنا ؟ قال :
نعم إنّ الرسول لاَ يُقتل ، قال : إنّي تركت ورائي قوماً ( 1 ) يقولون : لاَ نرضى إلاّ بالقوَد .
قال : ممّن ؟ ( 2 ) قال : يقولون : من خيط رقبة عليّ ، وتركت ستين ألف ( 3 ) شيخ يبكي تحت
هامش
( 1 ) في ( أ ) : أقواماً .
( 2 ) ذكر الطبري في تاريخه : 3 / 464 قال : ممّن ؟ قال : من خيط نفسك وتركت ستين . . . فقال : منّي
يطلبون . . . ألست موتورا كَتِرة عثمان . . . أمراً أصابه . . .
( 3 ) وفي الإمامة والسياسة : 1 / 103 : إني أحلف بالله لقد خلفت بالشام خمسين ألف شيخ خاضبين لحاهم
من دموع أعينهم تحت قميص عثمان ، رافعيه على الرماح مخضوباً بدمائه ، قد أعطوا الله عهداً أن لا
يغمدوا سيوفهم ولا يغمضوا جفونهم . . . وأحلف بالله ليأتينكم من خضر الخيل اثنا عشر ألفاً . . . فقال
عليّ : ما يريدون بذلك ؟ قال : يريدون بذلك والله خيط رقبتك . فقال عليّ : تربت يداك ، وكذب فوك ، أمّا
والله لو أنّ رسولا قُتل لقتلتك .
فقام الصلت بن زفر فقال : بئس وافد أهل الشام أنت ورائد أهل العراق ، ونعم العون لعليّ ، وبئس
العون لمعاوية ، يا أخا عبس أتخوّف المهاجرين والأنصار بخضر الخيل وغضب الرجال ؟ أما والله ما
نخاف غضب رجالك ولا خضر خيلك ، فأمّا بكاء أهل الشام على قميص عثمان فوالله ما هو بقميص
يوسف ولا بحزن يعقوب ، ولئن بكوا عليه بالشام لقد خذلوه بالحجاز ، وأمّا قتالهم عليّاً فإنّ الله يصنع في
ذلك ما أحب . قال : وإنّ العبسي أقام بالعراق عند عليّ حتّى اتهمه معاوية ، ولقيه المهاجرون والأنصار
فأشربوه حبّ عليّ ، وحدّثوه عن فضائله ، حتّى شكّ في أمره .
وذكر ابن أعثم في الفتوح : 1 / 504 قريب من هذا باختلاف يسير في اللفظ مضيفاً : ثمّ وثب إليه
رجل يقال له صلت بن زفر العبسي وهو صاحب حذيفة بن اليمان . . . قال : وهمّ الناس بالعبسي ، وقاموا
إليه بالسيوف ، فقال عليّ ( رضي الله عنه ) : دعوه فإنه رسول ، ولكن خذوا منه الكتاب . قال : فأخذ الكتاب من يده
ودفع إلى عليّ ، فلمّا فضّه لم ير فيه شيئاً أكثر من " بسم الله الرحمن الرحيم " . قال : فعلم أنّ معاوية
يحاربه وأنه لن يجيبه إلى شيء ، فقال : لاَ حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم ، حسبيَ الله ونعم الوكيل ،
فأنشأ قيس بن سعد بن عبادة وهو يرتجز ويقول شعراً :
معاوي لاَ تعجل علينا معاوياً * فقد هجت بالرأي السحيق الأفاعيا
إلى آخر الأبيات ، ولسنا بصددها لأنّ بعضها مطموسة .
قال : ثمّ إنّ العبسي رسول معاوية قام إلى عليّ ( رضي الله عنه ) فقال : يا أمير المؤمنين ، والله لقد أقبلتُ وأنا من
أشدّ الناس عليك حنقاً لما أخبرني عنك أهل الشام ، وقد والله أبصرت الآن ما فيه أهل الشام من الضلال
وما أنت فيه من الهدى ، لاَ والله ما كنت بالّذي أُفارقك أبداً ولا أموت إلاّ تحت ركابك ، ثمّ إنّه كتب إلى
معاوية أبياتاً مطلعها :
كدت أهل العراق بالبلد الشا * م شفاها وكان كيدي ضعيفا
إلى آخر الأبيات ، ولسنا بصددها أيضاً
قال : فلمّا انتهى شعره إلى معاوية ونظر إليه في عجب لذلك ثمّ أقبل على مَن بحضرته وقال : قاتله
الله لقد قال وأبلغ ويله ، إنّما بعثناه رسولا فصار علينا محرّضاً .