- بحار الأنوار جلد : 56 من صفحة 385 سطر 7 إلى صفحة 386 سطر 36 - توحيد المفضل : قال : قال الصادق عليه السلام : فكر يا مفضل في الصحو والمطر كيف يعتقبان على هذا العالم لما فيه صلاحه ، ولو دام واحد منهما عليه كان في ذلك فساده ، ألا ترى أن الأمطار إذا توالت عفنت البقول والخضر ، واسترخت أبدا الحيوان ، وخصر الهواء فأحدث ضروبا من الأمراض ، وفسدت الطرق والمسالك . وإن الصحو إذا دام جفت الأرض ، واحترق النبات ، وغيض ماء العيون والأودية ، فأضر ذلك بالناس ، وغلب اليبس على الهواء فأحدث ضروبا أخرى من الأمراض ؟ فإذا تعاقبا على العالم هذا التعاقب اعتدل الهواء ، ودفع كل واحد منهما عادية الأخرى ، فصلحت الأشياء واستقامت . فإن قال قائل : ولم لا يكون في شيء من ذلك مضرة البتة ؟ قيل له : ليمض ذلك الإنسان ويولمه بعض الألم فيرعوي عن المعاصي ، فكما أن الإنسان إذا سقم بدنه احتاج إلى الأدوية المرة البشعة ليقوم طباعه ويصلح ما فسد منه ، كذلك إذا طفى وأشر احتاج إلى ما يعضه ويولمه ليرعوي ويقصر عن مساوية ، ويتنبه على ما فيه حظه ورشده . ولو أن ملكا من الملوك قسم في أهل مملكته قناطير من ذهب وفضة ألم يكن سيعظم عندهم ويذهب له به الصوت ؟ فأين هذا من مطرة رواء إذ يعمر به البلاد ويزيد في الغلات أكثر من قناطير الذهب والفضة في أقاليم الأرض كلها ؟ أفلا ترى المطرة الواحدة ما أكبر قدرها وأعظم النعمة على الناس فيها وهم عنها ساهون ؟ ! وربما عاقت عن أحدهم حاجة لا قدر لها فيذمر ويسخط إيثارا للخسيس قدره على العظيم نفعه جهلا بمحمود العاقبة ، وقلة معرفة معرفة لعظيم الغناء والمنفعة فيها . تأمل نزوله على الأرض وتدبر في ذلك ، فإنه جعل ينحدر عليها من علو ليغشى ما غلظ وارتفع منها فيرويه ، ولو كان إنما يأتيها من بعض نواحيها لما علا الموضع المشرفة منها ولقل ما يزرع في الأرض ، ألا ترى أن الذي يزرع سيحا أقل من ذلك ؟ فالأمطار هي التي تطبق الأرض ، وربما تزرع هذه البراري الواسعة وسفوح الجبال وذراها فتغل الغلة الكثيرة ، وبها يسقط عن الناس في كثير من البلدان مؤونة سياق الماء من موضع إلى من موضع ، وما يجري في ذلك بينهم من التشاجر والتظالم ، حتى يستأثر بالماء ذو العزة والقوة ويحرمه الضعفاء . ثم إنه حين قدر أن يتحدر على الأرض انحدارا جعل ذلك قطرا شبيها بالرش ليغور في قعر الأرض فيرويها ولو كان يسكبه انسكابا كان ينزل على وجه الأرض فلا يغور فيها ، ثم كان يحطم الزرع القائمة إذا اندفق عليها ، فصار ينزل نزولا رقيقا فينبت الحب والمزروع ويحيي الأرض والزرع القائم ، وفي نزوله أيضا مصالح أخرى ، فإنه يلين الأبدان ، ويجلو كدر الهواء فيرتفع الوباء الحادث من ذلك ويغسل ما يسقط على الشجر والزرع من الداء المسمى " اليرقان " إلى أشباه هذا من المنافع . . .
فقه الطب — صفحة 9915
مساهمون: مركز المعجم الفقهي
ص٩٩١٥