- بحار الأنوار جلد : 3 من صفحة 125 سطر 12 إلى صفحة 127 سطر 22 فكر يا مفضل في الصحو والمطر كيف يعتقبان على هذا العالم لما فيه صلاحه ، ولو دام واحد منهما عليه كان في ذلك فساده ألا ترى أن الأمطار إذا توالت عفنت البقول والخضر ، واسترخت أبدان الحيوان ، وخصر الهواء فأحدث ضروبا من الأمراض ، وفسدت الطرق والمسالك ، وأن الصحو إذا دام حفت الأرض ، واحترق النبات ، وغيض ماء العيون والأودية فأضر ذلك بالناس ، وغلب اليبس على الهواء فأحدث ضروبا أخرى من الأمراض فإذا تعاقبا على العالم هذا التعاقب اعتدل الهواء ودفع كل واحد منهما عادية الآخر فصلحت الأشياء واستقامت . فإن قال قائل : ولم لا يكون في شيء من ذلك مضرة البتة ؟ قيل له : ليمض ذلك الإنسان ويولمه بعض الألم فيرعوي عن المعاصي ، فكما أن الإنسان إذا سقم بدنه احتاج إلى الأدوية كالمرة البشعة ليقوم طباعه ويصح ما فسد منه كذلك إذا طعى وأشر احتاج إلى ما يعضه ويولمه ليرعوي ويقصر عن مساويه ويثبته على ما فيه حظه ورشده ، ولو أن ملكا من الملوك قسم في أهل مملكته قناطير من ذهب وفضة ألم يكن سيعظم عندهم ويذهب له به الصوت ؟ فأين هذا من مطرة رواء ؟ إذ يعمر به البلاد ويزيد في الغلات أكثر من قناطير الذهب والفضة في أقاليم الأرض كلها . أفلا ترى المطرة الواحدة ما أكبر قدرها وأعظم النعمة على الناس فيها وهم عنها ساهون . وربما عاقت عن أحدهم حاجة لا قدر لها فيذمر ويسخط إيثارا للخسيس قدره على العظيم نفعه جهلا بمحمود العاقبة وقلة معرفة عظيم الغناء والمنفعة فيها . تأمل نزوله على الأرض والتدبير في ذلك ، فإنه جعل يندر عليها من علو ليتفشي ما غلظ وارتفع منها فيرويه ، ولو كان إنما يأتيها من بعض نواحيها لما علا على المواضع المشرفة منها ويقل ما يزرع في الأرض . ألا ترى أن الذي يزرع سيحا أقل من ذلك فالأمطار هي التي تطبق الأرض ، وربما تزرع هذه البراري الواسعة وسفوح الجبال وذراها فتغل الغلة الكثيرة ، وبها يسقط عن الناس في كثير من البلدان مؤونة سياق الماء من موضع إلى موضع ، وما يجري في ذلك بينهم من التشاجر والتظالم حتى يستأثر بالماء ذوو العزة والقوة ويحرمه الضعفاء . ثم إنه حين قدر أن ينحدر على الأرض انحدارا جعل ذك قطرا شبيها بالرش ليغور في قطر الأرض فيرويها ، ولو كان يسكبه انسكابا كان ينزل على وجه الأرض فلا يغور فيها ثم كان يحطم الزرع القائمة إذا اندفق عليها فصار ينزل نزولا رقيقا فينبت الحب المزروع ، ويحيي الأرض والزرع القائم ، وفي نزوله أيضا مصاح أخرى فإنه يلين الأبدان ، ويجلو كدر الهواء فيرتفع الوباء الحادث من ذك ، ويغسل ما يسقط على الشجر والزرع من الداء المسمى باليرقان ، ( 1 ) إلى أشباه هذا من المنافع . . . . * ( هامش ص 127 ) * ( 1 ) اليرقان : آفة للزرع أو دود يسطو على الزرع .
فقه الطب — صفحة 9912
مساهمون: مركز المعجم الفقهي
ص٩٩١٢