- بحار الأنوار جلد : 3 من صفحة 78 سطر 23 إلى صفحة 80 سطر 6 فكر يا مفضل في الأفعال التي جعلت في الإنسان من الطعم والنوم والجماع وما دبر فيها فإنه جعل لكل واحد منها في الطباع نفسه محرك يقتضيه ويستحث به فالجوع يقتضي الطعم الذي به حياة البدن وقوامه ، والكرى تقتضي النوم الذي فيه راحة البدن وإجمام قواه ، والشبق يقتضي الجماع الذي فيه دوام النسل وبقاؤه ، ولو كان الإنسان إنما يصير إلى أكل الطعام لمعرفته بحاجة بدنه إليه ولم يجد من طباعه شيئا يضطره إلى ذلك كان خليقا أن يتوانى عنه أحيانا بالتثقل والكسل حتى ينحل بدنه فيهلك ، كما يحتاج الواحد إلى الدواء بشيء مما يصلح ببدنه فيدافع به حتى يؤديه ذلك إلى المرض والموت ، وكذلك لو كان إنما يصير إلى النوم بالتفكر في حاجته إلى راحة البدن وإجمام قواه كان عسى أن يتثاقل عن ذلك فيدمغه حتى ينهك بدنه ، ولو كان إنما يتحرك للجماع بالرغبة في الولد كان غير بعيد أن يفتر عنه حتى يقل النسل أو ينقطع ، فإن من النساء من لا يرغب في الولد ولا يحفل به ، فانظر كيف جعل لكل واحد من هذه الأفعال التي بها قوام الإنسان وصلاحه محرك من نفس الطبع يحركه لذلك ويحدوه عليه ( 1 ) واعلم أن في الإنسان قوى أربعا : قوة جاذبة تقبل الغذاء وتورده على المعدة ، وقوة ممسكة تحبس الطعام حتى تفعل فيه الطبيعة فعلها ، وقوة هاضمة وهي التي تطبخه ( 2 ) وتستخرج صفوه وتبثه في البدن ، وقوة دافعة تدفعه وتحدر الثفل الفاضل بعد أخذ الهاضمة حاجتها ، تفكر في تقدير هذه القوى الأربعة التي في البدن وأفعالها وتقديرها للحاجة إليها والإرب فيها ، وما في ذلك من التدبير والحكمة ، ولولا الجاذبة كيف يتحرك الإنسان لطلب الغذاء التي بها قوام البدن ؟ ولولا الماسكة كيف كان يلبث الطعام في الجوف حتى تهضمه المعدة ؟ ولولا الهاضمة كيف كان ينطبخ حتى يخلص منه الصفو الذي يغذوا البدن ويسد خلله ؟ ولولا الدافعة كيف كان الثفل الذي تخلفه الهاضمة يندفع ويخرج أو لا فأولا ؟ أفلا ترى كيف وكل الله سبحانه بلطيف صنعه وحسن تقديره هذه القوى بالبدن والقيام بما فيه صلاحه ؟ وسأمثل لك في ذلك مثالا : إن البدن بمنزلة دار الملك ، وله فيها حشم وصبية وقوام موكلون بالدار ، فواحد لإقضاء حوائج الحشم وايرادها عليهم وآخر لقبض ما يرد وخزنه إلى أن يعالج ( ( هامش صفحه 79 ) ) ( 1 ) أي يبعثه ويسوقه إليه . ( 2 ) وفي نسخة : وهي التي تطحنه . ويهيأ ، وآخر لعلاج ذلك وتهيئته وتفريقه ، وآخر لتنظيف ما في الدار من الأقذار وإخراجه منها فالملك في هذا هو الخلاق الحكيم ملك العالمين ، والدار هي البدن ، والحشم هي الأعضاء ، والقوام هي هذه القوي الأربع ، ولعلك ترى ذكرنا هذه القوى الأربع وأفعالها بعد الذي وصفت فضلا وتزدادا ، وليس ما ذكرته من هذه القوى على الجهة التي ذكرت في كتب الأطباء ، ولا قولنا فيه كقولهم ، لأنهم ذكروها على ما يحتاج إليه في صناعة الطب وتصحيح الأبدان ،
فقه الطب — صفحة 2280
مساهمون: مركز المعجم الفقهي
ص٢٢٨٠