- الحدائق الناضرة جلد : 3 من صفحة 137 سطر 8 إلى صفحة 140 سطر 10 ( المسألة الرابعة ) يكره للجنب أمور : ( الأول ) - الأكل والشرب ما لم يتمضمض ويستنشق على المشهور بل قال في التذكرة انه مذهب علمائنا مؤذنا بدعوى الاجماع عليه ، ونقل عن ابن زهرة دعوى الاجماع على ذلك ، وفي المعتبر انه مذهب الخمسة واتباعهم ، وقال الصدوق في الفقيه : " والجنب إذا أراد ان يأكل أو يشرب قبل الغسل لم يجز له الا ان يغسل يديه ويتمضمض ويستنشق ، فإنه ان اكل أو شرب قبل ان يفعل ذلك خيف عليه من البرص " وظاهره التحريم ثم قال : " وروى أن الاكل على الجنابة يورث الفقر " . والذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمان بن أبي عبد الله قال : " قلت للصادق عليه السلام أيأكل الجنب قبل ان يتوضأ ؟ قال : انا لنكسل ولكن ليغسل يده والوضوء أفضل " قال في الوافي بعد ذكر هذا الخبر : " هكذا يوجد في النسخ ويشبه ان يكون مما صحف وكان " انا لنغتسل " لأنهم عليه السلام اجل من أن يكسلوا في شئ من عبادات ربهم عز وجل " انتهى . أقول : لا يخفى ان الخبر المذكور على ما رواه المحدثون ونقله الأصحاب في كتب الفروع انما هو بلفظ " نكسل " والظاهر أن المراد به انما هو مطلق الناس بمعنى ان الناس ليكسلون وان عبر عن ذلك بصيغة تشمله عليه السلام وغيره ، ونظيره ما روى عن أمير المؤمنين عليه السلام من قوله : " اني اكره السلام على المرأة الشابة مخافة ان يعجبني صوتها " فان الظاهر أن مراده انما هو منع الناس عن ذلك خوفا مما ذكره ، لان عصمته تمنع من حمل هذا اللفظ على ظاهره فكذا ما نحن فيه . واما ما احتمله بعض المحققين من متأخري المتأخرين من أن قوله : " لنكسل " يعني عن الاكل ولم نتسارع اليه قبل الغسل فالظاهر بعده سيما بالنظر إلى الاستدراك ب " لكن " بعد هذا الكلام . وما رواه الشيخ في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن الباقر عليه السلام قال : " الجنب إذا أراد ان يأكل ويشرب غسل يده وتمضمض وغسل وجهه واكل وشرب " وما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن عبيد الله بن علي الحلبي عن الصادق عليه السلام قال : " إذا كان الرجل جنبا لم يأكل ولم يشرب حتى يتوضأ " . وباسناده عن الحسين بن زيد عن الصادق عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السلام في حديث المناهي المذكور في آخر كتاب الفقيه قال : " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن الاكل على الجنابة وقال إنه يورث الفقر " . وما رواه في الكافي عن السكوني عن الصادق عليه السلام في حديث قال : " لا يذوق الجنب شيئا حتى يغسل يديه ويتمضمض فإنه يخاف منه الوضح " أقول : الوضح البرص . وفي الفقه الرضوي قال عليه السلام : " وإذا أردت ان تأكل على جنابتك فاغسل يديك وتمضمض واستنشق ثم كل واشرب إلى أن تغتسل ، فان اكلت أو شربت قبل ذلك أخاف عليك البرص ولا تعود إلى ذلك " انتهى . ومما يدل على أن المراد بهذه الاخبار الكراهة ما رواه في الكافي في الموثق عن ابن بكير قال : " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الجنب يأكل ويشرب ويقرأ القرآن ؟ قال : نعم يأكل ويشرب ويقرأ ويذكر الله عز وجل ما شاء " . والمفهوم من هذه الأخبار بضم بعضها إلى بعض هو ما ذكره الأصحاب ( رضي الله عنهم ) من كراهية الأكل والشرب وانها تزول بما ذكر فيها ، وقال في المدارك - بعد ان نقل صحيحة عبد الرحمان بن أبي عبد الله أولا ثم صحيحة زرارة - ما لفظه : " ومقتضى الرواية الأولى استحباب الوضوء لمريد الأكل والشرب أو غسل اليد خاصة ، ومقتضى الرواية الثانية الامر بغسل اليد والوجه والمضمضة ، وليس فيهما دلالة على كراهة الأكل والشرب بدون ذلك ، ولا على توقف زوال الكراهة على المضمضة والاستنشاق أو خفتها بذلك " وجرى على منواله في الذخيرة كما هي قاعدته غالبا . أقول : لما كان نظر السيد المذكور مقصورا على صحاح الاخبار اقتصر على هاتين الصحيحتين وهما وان اوهما ما ذكره الا ان جملة ما عداهما مما قدمناه ولا سيما عبارة كتاب الفقه الرضوي ظاهر فيما ذكره الأصحاب . فيجب تقييد هاتين الصحيحتين بها ، والعجب منه انه خفى عليه الوقوف على صحيحة الحلبي المروية في الفقيه وهي صحيحة صريحة في كراهة الأكل والشرب بدون ذلك . بقي الكلام في أن صحيحة زرارة قد دلت على غسل اليد والمضمضة وغسل الوجه وصحيحة عبد الرحمان بن أبي عبد الله دلت على الوضوء أو غسل اليد وان الأول أفضل وصحيحة الحلبي دلت على الوضوء خاصة ، ورواية السكوني دلت على غسل اليد والمضمضة وكتاب الفقه على غسل اليد والمضمضة ، والاستنشاق غير موجود إلا في عبارة هذا الكتاب ، والظاهر أن الصدوق في عبارته المتقدمة انما اخذه منه وتبعه الأصحاب في عبائرهم ، والظاهر ترتب هذه الأمور في الفضل وزوال الكراهة بها بان يكون أكمل . الجميع الوضوء ثم غسل اليد والمضمضة والاستنشاق وغسل الوجه ثم الثلاثة الأول ثم الأولين خاصة وهو أدنى المراتب ، والمفهوم من كلام الأصحاب ( رضي الله عنهم ) انه بهذه الأمور ترتفع الكراهة ويزول المحذور المذكور في النصوص ، وظاهر عبارة الشرائع بقاء الكراهة وان كانت تخف بهذه الأشياء ، ويمكن ان يستدل له بما تقدم من الروايتين على أن الاكل على الجنابة يورث الفقر ، فإنه بالوضوء ونحوه من تلك الأمور لا يخرج عن كونه جنبا ، الا انه يمكن تقييد اطلاقهما بالاخبار الاخر بمعنى انه يورث الفقر ما لم يأت بالوضوء ونحوه من تلك الأشياء المذكورة في الاخبار . وهل يكفي الاتيان بالأمور المذكورة مرة واحدة ، أو لابد ان يكون عند كل اكل مع الفصل بالمعتاد بين الاكلين ، أو مع تخلل الحدث ، أو مع التعدد عرفا ؟ احتمالات واطلاق الاخبار يؤيد الأول وان كان الأخير أحوط . والله العالم .
فقه الطب — صفحة 2900
مساهمون: مركز المعجم الفقهي
ص٢٩٠٠