الإجماع وتواتر النصوص ، دون القياس والاجتهاد . " ( 1 )
أقول : أمّا الحلّي ( رحمه الله ) ، فقد أتعب نفسه في تأويل الحديث . والإنصاف أنّه تمحّل بارد ،
لوضوح أنّه لو كان صاحب السفينة آيساً ومعرضاً عنها ، فما أخرجه البحر أيضاً ليس له ،
لأنّه صار من المباحات . وإذا لم يكن آيساً ومعرضاً عنها ، فما أخرجه الغوّاص أيضاً له
دون سواه ، والحمل على عدم الإعراض في الأوّل دون الثاني ، لا وجه له .
والعجب منه ( رحمه الله ) أنّه في الوقت الذي لا يعمل فيه بالخبر الواحد الموثّق ، بل بالصحيح ،
يعمل بما في سنده ضعف ومتنه مختلّ ، ثمّ يحتال في تبرير معناه ، ويصير به إلى حدّ
التمحّل ؛ علماً بأنّ توقّف زوال الملك ، إنّما يقوم على وجود سبب شرعيّ ، وأنّ انكسار
سفينة في البحر ، ليس هو بأيّ حال من الأحوال ، يعدّ من الأسباب الشرعيّة لزوال الملك .
حتّى أنّ المحقّق النجفي ( رحمه الله ) قال : " ولا دليل على ارتفاع الملك عن صاحبه بالإعراض ،
على وجه يتملّكه من أخذه كالمباح . ومن هنا احتمل جماعة إباحة التصرّف في المال
المعرض عنه دون الملك ، بل عن ثاني الشهيدين والمقداد ، الجزم بذلك ( 2 ) وعن بعض ، أنّه
لا يزول الملك بالإعراض ، إلاّ في الشيء اليسير كاللقمة ، وفي التالف كمتاع البحر ، وفي
الذي يملك بغاية قد حصلت كحطب المسافر . وعن آخر ، اعتبار كون المعرض عنه في
مهلكة ، ويحتاج الاستيلاء عليه إلى اجتهاد - كغوص وتفتيش ونحوهما - في حصول
التملّك به . وربما استظهر من عبارة ابن إدريس المتقدّمة ، اعتبار اليأس زيادة على
الإعراض فيه أيضاً ، إلى غير ذلك من كلماتهم التي مرجعها إلى تهجّس في ضبط عنوان
لذلك ، مع أنّ السيرة عليه في الجملة ، وليس في النصوص - غير ما عرفت - تعرّض له .
فالأولى أن يقال : ما علم إنشاء إباحة من المالك لكلّ من يريد أن يتملكّه ، كنثار
هامش
1 - كتاب السرائر ، ج 2 ، ص 195 .
2 - راجع : مسالك الأفهام ، ج 14 ، ص 77 - التنقيح الرائع ، ج 4 ، ص 272 .