كلّ من علم بكون علمه مطابقاً للواقع ، كي يحرز به كون قضائه بالحقّ عن علم ، وأمّا
الشاكّ في مطابقة علمه للواقع ، فلم يحرز كونه قضاءاً بالحقّ ، وإن علم كونه حاكماً به
باعتقاده وعلمه . وعليه فلا مجال لإثبات كون العلم كالبيّنة ميزاناً للفصل على وجه
لا تسمع الدعوى على خلافه ، حتّى ينظر الشاكّ في مطابقة علمه للواقع ؛ إذ كم فرق بين
العلم والبيّنة ، حيث إنّ مفاد البيّنة من جهة حجّيّتها في حقّ الشاكّ بنظر كلّ أحد يصدق
على الحكم على طبقها أنّه حكم بالحقّ بالنسبة إلى كلّ أحد ، وهذا بخلاف علم القاضي
الذي لا يكون إلاّ حجّة في حقّ العالم دون غيره . " ( 1 )
أقول : إنّ العبارة مضغوطة ومندمجة تحتاج إلى تبيين وتوضيح فنحن بعد توضيحها
نأتي على ما فيها . فمقصوده ( رحمه الله ) أنّا نستفيد من قوله ( عليه السلام ) : " ورجل قضى بالحقّ وهو يعلم فهو
في الجنّة " أنّ القاضي إذا كان عالماً وكان عمله مطابقاً للواقع والحقّ ، فقضاؤه صحيح وهو
في الجنّة وإلاّ فلا والقاضي إذا كان عالماً فكلا الشرطين موجودان لأنّه عالم بالفرض
والعالم لا يحتمل أن يكون علمه مخالفاً للواقع ؛ هذا بالنسبة إلى نفس القاضي وإلى من
يعلم بأنّ علمه موافق للحقّ وأمّا بالنسبة إلى الشاكّ وإلى من يعلم بأنّ علمه غير مطابق
للحقّ فلا لعدم وجود الشرط الثاني .
وفيه : أنّ المقصود من الحديث أنّ القاضي إذا أراد أن يفتي بشيء ، فلا بدّ أن يسعى
ويجهد في كشف الواقع ، فإذا علم بالواقع واطمئنّ به ، أفتى بموجبه ، فلو أنّه قضى وحكم
دون ذلك سواء علم بأنّه خلاف الواقع أم لم يعلم أنّه حقّ أو باطل ، فهو في النار . وهذا غير
ما ذكره ( رحمه الله ) من أنّ الأمرين دخيلان في الحكم : العلم بما هو علم ، والواقع بما هو واقع ؛ فلو
علم شخص بأنّ القاضي يقضي بعلمه ولا يعلم أنّ علمه مطابق للواقع أم لا ، فلا يكون
قضاؤه حجّة في حقّه .
هامش
1 - كتاب القضاء ، صص 38 و 39 .