الثاني : كون العمل بالعلم موجباً للاتّهام كما قيل : إنّ عمل القاضي بعلمه ، إنّما هو
مدّعاة للاتّهام ( 1 ) .
وفيه : أنّه ليس إلاّ مجرّد استحسان ، مع أنّ كليّته ممنوعة والتهمة قد تحصل مع البيّنة
والجلوس في منصب القضاء أيضاً . ( 2 )
وبعد ما عرفت من أدلّة القائلين بالجواز وعدم الجواز أقول :
مقتضى التحقيق أنّ صور المسألة أربعة لا خامسة لها عقلاً :
الأولى : أن تكون البيّنة قائمة وأن يكون العلم حاصلاً على طبقها .
الثانية : أن تكون البيّنة قائمة ولا يكون العلم حاصلاً لا على طبقها ولا على خلافها .
الثالثة : أن يكون العلم حاصلاً في حين أنّه ليس في البين بيّنة .
الرابعة : أن تكون البيّنة قائمة بينما العلم حاصل على خلافها .
هذه هي الصور الأربعة ولا ثمرة للنزاع في الأولى والثانية منها . وأمّا الصورة الثالثة ،
فلو قلنا بعدم حجيّته ، فلا بدّ إمّا أن نعمل بالحلف ، مع القطع بكذبه على كونه مخالفاً له لأنّه
لو كان موافقاً له فلا تبقى ثمرة للنزاع ، وهذا كما ترى لا ينبغي لأحد التفوّه به .
وإمّا أن لا نقضي ، لا بالعلم ولا بالحلف ، كما قال صاحب الجواهر ( رحمه الله ) ( 3 ) وهذا - مع أنّه
دليل على أنّ حجّيّة اليمين من باب الطريقيّة ، وهو ينافي ظاهر الحديث الذي ورد فيه
الحصر - يوجب تعطيل القضاء والإبقاء على مادّة النزاع وأسبابه ، في حين أنّ الشارع
المقدّس يسعى جاهداً وبأقرب وقت ممكن على رفعها وإزالتها ، وهذا ممّا لم يتوصّل إليه
إلاّ بالعمل على طبق العلم .
وأمّا الصورة الرابعة ، فهي أيضاً كذلك ، لأنّه إمّا أن تكون البيّنة حجّة ، مع العلم بكذبها ،
هامش
1 - كما نقله في المبسوط ، ج 8 ، ص 166 .
2 - راجع : جواهر الكلام ، ج 40 ، ص 91 .
3 - نفس المصدر ، ص 90 .