والارتداد وما شابههما ولا في ما اجتمع فيه حقّ الله وحقّ الآدميّ كالقذف وبعض
التعزيرات . نعم وفي بعض حقوق الآدميّ أيضاً لا يجوز التحكيم لعظم شأنها ولزوم
التحقيق فيها من قبل سلطة مبسوطة اليد ذات مراتب عديدة ، كأمر القصاص مثلاً وهذا
أيضاً موافق للاحتياط وموافق أيضاً للقوانين التي دوّنها العقلاء ؛ ففي القانون العراقي
والمصري والكويتي واللبناني والبحريني والليبي نصّ على أنّ التحكيم لا يصحّ إلاّ في
المسائل التي يجوز فيها الصلح ( 1 ) وهذا حسن إن قيّد بما قلناه بأنّ الأمور المهمّة
كالقصاص أيضاً مختصّ بالقضاء ، وفي القانون المدنيّ الإيرانيّ استثنيت الأمور الجزائيّة
والدعاوي الراجعة بأصل النكاح والطلاق والنسب ( 2 ) ، فلا يجوز فيها التحكيم .
وأمّا في الأمور العالميّة والدعاوي الدوليّة التي لا تكون من موارد القضاء - لأنّ نظام
الحكم العالمي وإن كان يتّجه رويداً رويداً نحو القضاء المصطلح ، لكنّ القضاء في هذا
النظام تحكيم فقهي وإن سمّي قضاءاً في اصطلاح القانون العامّ الدولي - ولا يمكن فيها
فصل الخصومة وإقامة السلم والأمن العالميّ إلاّ بالتحكيم ، فللتحكيم شمول عامّ ، لأنّ
إقامة العدل والأمن العالميّ من الضروريّات التي لا تكون إلاّ به وإلاّ يلزم الهرج والمرج
والحرب ويختلّ النظام العالميّ والروابط الدوليّة . وأرجو من الله تعالى أن يبلغ نظام
القضاء الإسلاميّ حداً يطرح في العالم ويعلو على غيره بحيث يرجع إليه كلّ برّ وفاجر
ومسلم وكافر . وعلى الدول المسلمة أن تقيم نظاماً عالميّاً قضائيّاً وتحكيميّاً على أساس
قوانين إسلاميّة يتصدّى أمرها القضاة والمحكّمون المتبحّرون المسلمون ، وعلى الطلاّب
في الحوزات العلميّة والجوامع أن يدرسوا ويجتهدوا حتّى يبلغوا إلى حدّ القضاة الدوليّين
ويعرّفوا حلاوة الفقه الإسلامي وصلاحيّته للناس كلّهم ويثبتوا صلاحيّته لفصل النزاعات
هامش
1 - راجع : عقد التحكيم في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي ، ص 268 .
2 - راجع : المادّة 653 من آئين دادرسي مدني ( قانون الإجرائيّات المدنيّة ) .