ثمّ إن قلنا أنّه يلزمهما الحكم بعده ، ولا يحتاج اعتبار حكمه إلى رضا المتخاصمين
فينبغي أن يبحث في أنّه هل لهما قبل الحكم الرجوع عن التحكيم أم لا ؟ أي أنّه إذا شرع
فيه وقبل أن يكمله فهل لأحدهما الامتناع منه قبل إكماله ؟ قال في المبسوط : " قال بعضهم
له الامتناع ، لأنّه امتنع قبل حكمه ، وقال الآخرون ليس له الامتناع كالحاكم ولأنّه يفضي
إلى أن لا يصحّ هذا فإنّه متى علم أحدهما أنّه يحكم بما لا يؤثّره امتنع وانصرف . " ( 1 )
أقول : الحقّ والانصاف أنّه إن كان الحكم في مقام الإصدار ووصل التحكيم إلى
مرتبته ، وإن لم يُصدره ، فمقتضى ما قلناه في الدليل العقلي السابق أنّه ليس لهما الامتناع ،
وإن كان في مقدّمة الحكم ولم يصل إلى مرتبة إصداره ، فإنّ لهما الامتناع ؛ إن توافقا عليه
ولكن ليس لأحدهما الامتناع ؛ لأنّ مقتضى رجوعهما إلى المحكّم الالتزام به ، فتشمله أدلّة
لزوم الوفاء .
المسألة الثالثة : هل يجب أن تعتبر شرائط القاضي المنصوب لقاضي التحكيم ؟
في المسألة قولان : أحدهما ؛ ما قاله المصنّف ( رحمه الله ) من أنّه : " ويشترط فيه ما يشترط في
القاضي المنصوب عن الإمام " ( 2 ) كما قال به جمع من الفقهاء كالشيخ الطوسي ( 3 )
والشهيد الأوّل ( 4 ) والعلاّمة ( 5 ) والمحقّق الأردبيلي ( 6 ) والفاضل السيوري ( رحمهم الله ) ( 7 ) بل ادّعي
هامش
1 - المبسوط ، ج 8 ، ص 165 .
2 - شرائع الإسلام ، ج 4 ، ص 68 .
3 - المبسوط ، ج 8 ، ص 164 .
4 - الدروس الشرعيّة ، ج 2 ، ص 66 .
5 - قواعد الأحكام ، ج 3 ، ص 419 - مفتاح الكرامة ، ج 10 ، ص 3 .
6 - مجمع الفائدة والبرهان ، ج 12 ، ص 17 .
7 - التنقيح الرائع ، ج 4 ، ص 238 .