تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
وتداول الأجيال له وشدة البحث وكثرة ملاقاة الخصوم ومناظراتهم وأفنائهم الأوقات وتسويدهم القراطيس واستنفاذ وسمعهم وجهدهم أين الحق فيرتفع الأشكال بل الأمر واقف بحسبه أمتزيد في الاختلاف وحدوث التجاذب والفرق قالوا وأيضا فإنا نرى المرء الفهم العالم النبيل المتيقن في علوم الفلسفة والكلام والحجاج المستنفذ لعمره في طلب الحقائق المؤثرة للبحث عن البرهان على كل ما سواه من لذة أو مال أو جاء المستفرغ لقوته في ذلك النافر عن التقليد يعتقد مقالة وما يناظر عنها ويحاجج دونها ويدافع أمامها ويعادي من خالفها مجدا في ذلك موقنا بصوابه وخطا من خالفه منافرا له مضللا أو مكفرا فيبقى كذلك الدهر الطويل والأعوام الجمة ثم تبدو له بادية عنها فيرجع أشد ما كان عداوة لما كان ينصر ولا هل لك المقالة التي كان يدين بصحتها وينصرف يقاتل في إبطالها ويناظر في إفسادها ويعتقد من ضلالها وضلال أهلها الذي كان يعتقد من صحتها ويعجب الآن من نفسه أمس وربما عاد إلى ما كان عليه أو خرج إلى قول ثالث قالوا فدل هذا على فساد الأدلة وعلى تكافؤها جملة وأن كل دليل فهو هادم الآخر كلاهما بهدم صاحبه وقالوا أيضا لا يخلو من حقق شيئا فمن هذه الديانات أو المقالات من أن يكون صح له أو لم يصح له ولا سبيل إلى قسم ثالث قالوا فإن كان لم يصح له بأكثر من دعواه أو من تقليده مدعيا فليس هو أولى من غيره بالصواب وإن كان صح له فلا يخلو من أن يكون صح له بالحواس أو بعضها أو بضرورة العقل وبديهته أو صح له بدليل ما غير هذين ولا سبيل إلى قسم رابع فإن كان صح له بالحواس أو ببعضها أو بضرورة العقل وبديهته فيجب أن لا يختلف في ذلك أحد كما لم يختلفوا فيما أدرك بالحواس وبديهة العقل من أن ثلثه أكثر من اثنين وأنه لا يكون المرء قاعدا قائما معا بالعقل فلم يبق إلا أن يقولوا أنه صح لنا بدليل غير الحواس فنسألهم عن ذلك الدليل بماذا صح عندكم بالدعوى فلستم بأولى من غيركم في دعواه أم بالحواس وبديهة العقل فكيف خولفتم فيه هذا ولا يختلف في مدركاته أحد أم بدليل غير ذلك وهكذا أبدا إلى ما لا نهاية له قالوا وهذا ما لا مخلص لهم منه قالوا ونسألهم أيضا عن علمهم بصحة ما هم عليه أيعلمون أنهم يعلمون ذلك أم لا فإن قالوا لا نعلم ذلك أحالوا وسقط قولهم وكفونا مؤونتهم لأنهم يقرون أنهم لا يعلمون أنهم يعلمون ما علموا وهذا هوس وإفساد لما يعتقدونه وإن قالوا بل نعلم ذلك