تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
الصحاح وميزوها من الفاسدة وأنهم قد لاح لهم الفرق بين الحق والباطل والحجج والإنصاف ثم نجدهم كلهم يعني جمع هاتين الطائفتين فلسفتهم وكلامهم في أديانهم التي يقرون أنها نجاتهم أو هلكتهم مختلفين كاختلاف العامة وأهل الجهل بل أشد اختلافا فمن يهودي يموت على يهوديته ونصراني يتهالك عل نصرانيته وتثليثه ومجوسي يستميت على مجوسيته ومسلم يستقتل في إسلامه ومناني يستهلك في مانونيته ودهري ينقطع في دهريته قد استوى العامي المقلد من كل طائفة في ذلك مع المتكلم الماهر المستدل بزعمه ثم نجد أهل هذه الأديان في فرقهم أيضا كذلك سواء سواء فإن كان يهوديا فأما رباني يتقد غيظا على سائر فرق دينه وأما صائبي يلعن سائر فرق دينه وأما عيسوي يسخر من سائر فرق دينه وأما سامري يبرأ من سائر فرق دينه وأن كان نصرانيا فأما ملكي يتهالك غيظا على سائر فرق دينه وأما نسطوري يقد أسفا على سائر فرق دينه وأما يعقوبي يسخط على سائر فرق دينه وإن كان مسلما فإما خارجي يستحل دماء سائر أهل ملته وأما معتزلي يكفر سائر فرق ملته وأما شيعي لا يتولى سائر فرق ملته وأما مرجئي لا يرضى عن سائر فرق ملته وأما سني ينافر فرق ملته قد استوى في ذلك العامي والمقلد الجاهل والمتكلم بزعمه المستدل وكل امرئ من متكلمي الفرق التي ذكرنا يدعي أنه إنما أخذ ما أخذ وترك ما ترك ببرهان واضح ثم هكذا نجدهم حتى في الفتيا أما حنيفي يجادل عن حنيفيته وأما مالكي يقاتل عن مالكيته وأما شافعي يناضل عن شافعيته وأما حنبلي يضارب عن حنبليته وأما ظاهري يحارب ظاهريته وأما متحير مستدل فهنالك جاء التحازب حتى لا يتفق اثنان منهم على مائة مسألة إلا في الندرة وكل امرئ ممن ذكرنا يزري على الآخرين وكلهم يدعى أنه أشرف على الحقيقة وهكذا القائلون بالدهر أيضا متباينون متنابذون مختلفون فيما بينهم فمن موجب أن العالم لم يزل وأن له فاعلا لم يزل ومن موجب أزلية الفاعل وأشياء أخر معه وأن سائر العالم محدث ومن موجب أزلية الفاعل وحدوث العالم أمبطل للنبوات كلها كما اختلف سائر أهل النحل أولا فرق قالوا فصح أن جميعهم أما متبع للذي نشأ عليه والنحلة التي تربي عليها وأما متبع لهواه قد تخيل له أنه الحق فهم على ما ذكرنا دون تحقيق قالوا فلو كان للبرهان حقيقة لما اختلفوا فيه هذا الاختلاف ولبان على طول الأيام وكرور الزمان ومرور الدهور
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 122 | ابن حزم