بلى والذي خلقهم ولكن العوارض التي ذكرنا قبل سهلت عليهم هذا الاختلاط وكرهت عليهم الرجوع إلى الحق والإذعان له
قال أبو محمد وأما العناد فقد شاهدناه من كل ما رأيناه في المناظرة في الدين وفي المعاملات في الدنيا أكثر من أن يحصى ممن يعلم الحق يقينا ويكابر على خلافه ونعوذ بالله من الخذلان ونسأله الهدى والعصمة
قال أبو محمد لا يدرك الحق من طريق البرهان إلا من صفى عقله ونفسه من الشواغل التي قدمنا ونظر من الأقوال كلها نظرا واحدا واستوت عنده جميع الأقوال ثم نظر فيها طالبا لما شهدت البراهين الراجعة رجوعا صحيحا غيره مموه ضروريا إلى مقدمات مأخوذة من أوايل العقل والحواس غير مسامح في شيء من ذلك فهذا مضمون له بعون الله عز وجل الوقوف على الحقائق والخلاص من ظلمة الجهل وبالله تعالى التوفيق
وأما نقلة اثنان فصاعدا نوقن أنهما لم يجتمعا ولا تساررا فأخبر بخبر واحد راجع إلى ما أدركه بالحواس من أي شيء كان فهو حق بلا شك مقطوع على حيته والنفس مضطرة إلى تصديقه وهذا قول أحد الكافة وأولها إذ لا يمكن البتة إنفاق اثنين في وليد حديث واحد لا يختلفان فيه عن غير تواطؤ وأما إذا تواطأت الجماعة العظيمة فقد تجتمع على الكذب وقد شاهدنا جماعات يشكرون ولاتهم وهم كاذبون إلا أن هذا لا يمكن أن ينفقوا على ظنه أبدا ومن أنكر ما تنقله الكافة لزمه أن لا يصدق أنه كان في الدنيا أحد قبله لأنه لا يعرف كون الناس إلا بالخبر قال أبو محمد وقد يضطر خبر الواحد في بعض الأوقات إلى التصديق يعرف ذلك من تدبر أمور نفسه كمنذر يموت إنسان لدفنه وكرسالة من عند السلطان يأتي بها بريد وككتاب وارد من صديق بديهة وكمخبر يخبرك أن هذا دار فلان وكمنذر بعرس عند فلان وكرسول من عند القاضي والحاكم وسائر ذلك من اخبار بأن هذا فلان بن فلان ومثل هذا كثير جدا وهذا لا ينضبط بأكثر مما يسمع ومن راعى هذا المعنى لم يمض له يوم واحد قطعا حتى يشاهد في منزله وخارج منزله من خبر واحد ما يضطر إلى تصديقه ولا بد كثيرا جدا وأما في الشريعة فخبر الواحد الثقة موجب للعلم وبرهان شرعي قد ذكرناه في كتابنا الأحكام لأصول الأحكام وقد ادعى المخالفون أن ما اتفقت عليه أمتنا بآرائها فهي معصومة
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 118
مساهمون: ابن حزم
ص١١٨