من ذلك عجزا وضعف عقل وقلة تمييز لفضل الإقرار بالحق أو مسوف نفسه بالنظر كحال كل طبقة من الطبقات الذين نشاهدهم في كل مكان وكل زمان وأما مقلد لأسلافه أو لمن نشأ بينهم قد شغله حسن الظن بمن قلد أو استحسانه لما قلد فيه وغمر الهوى عقله عن التفكير فيما فهم من البرهان قد حال ما ذكرنا بينه وبين الرجوع إلى الحق وصرف الهوى ناظر قلبه عن التفكر فيما يتبين له من البرهان ونفر عنه وأوحشه منه فهو إذا سمع برهانا ظاهرا لا مدفع فيه عنده ظنه من الشيطان وغالب نفسه حتى يعرض عنه وقالت له نفسه لا بد أن ها هنا برهانا يبطل به هذا البرهان الذي أسمع وإن كنت أنا لا أدريه وهل خفي هذا على جميع أهل ملتي وأهل نحلتي أو مذهبي أو على فلان وفلان وفلان ولا بد أنه قد كان عندهم ما يبطلون به هذا
قال أبو محمد وهذا عام في أكثر من يظن أنه عالم في كل ملة وكل نحلة وكل مذهب وليس واحد من هاتين الطائفتين إلا والحجة قد لزمته وبهرته ولكنه غلب وساوس نفسه وحماقتها على الحقائق اللائحة له ونصر ظنه الفاسد على يقين الثابت وتلاعب الشيطان به وسخر منه فأوهمه لشهوته لما هو فيه أن ها هنا دليلا يبطل به هذا البرهان وأنه لو كان فلان حيا أو حاضرا لأبطل هذا البرهان وهذا أعظم ما يكون من السخافة لما لا يدري ولا سمع به وتكذيب لما صح عنده وظهر إليه ونعوذ بالله من الخذلان والثالث منكر بلسانه ما قد تيقن صحته بقلبه أما استدامة لرياسة أو استدرار مكسب أو طعما في أحدهما لعله يتم له أو لا يتم ولو تم له لكان خاسر الصفقة في ذلك أو أثر غرورا ذاهبا عن قريب على فوز الأبد أو يفعل ذلك خوف أذى أو عصبة لمن خالف ما قد قام البرهان عنده أو عداوة لقائل ذلك القول الذي قام به عنده البرهان وهذا كله موجود في جمهور الناس من أهل كل ملة وكل نحلة وأهل كل رأي بل هو الغالب عليهم وهذا أمر يجدونه من أنفسهم فهم يغالبونها
قال أبو محمد ويقال لمن قال ممن ينتمي إلى الإسلام أن المعارف ليست باضطرار وأن الكفار ليسوا مضطرين إلى معرفة الحق في الربوبية والنبوة أخبرونا عن معجزات الأنبياء عليهم السلام هل رفعت الشك جملة عن كل من شاهدها وحسمت عللها وفصلت بين الحق والباطل فصلا تاما أو لا فإن قالوا نعم أقروا بأن كل من شاهدها مضطر إلى المعرفة بأنها من
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 115
مساهمون: ابن حزم
ص١١٥