القرآن فقال تعالى « لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا » فأوجب عز وجل الشفاعة إلا من اتخذ عنده عهدا بالشفاعة وصحت بذلك الأخبار المتواترة المتناصرة بنقل الكواف لها قال تعالى « يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا » وقال تعالى « لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا » وقال تعالى « ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له » فنص تعالى على أن الشفاعة يوم القيامة تنفع عنده عز وجل ممن أذن له فيها ورضي قوله ولا أحد من الناس أولى بذلك من محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أفضل ولد آدم عليه السلام وقال تعالى « من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه » « وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى » وقال تعالى « ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون » وقال تعالى « ما من شفيع إلا من بعد إذنه » فقد صحت الشفاعة بنص القرآن الذي يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فصح يقينا أن الشفاعة التي أبطلها الله عز وجل هي غير الشفاعة التي أثبتها عز وجل وإذ لا شك في ذلك فالشفاعة التي أبطل عز وجل هي الشفاعة للكفار الذين هم مخلدون في النار قال تعالى لا يخفف عنهم من عذابها ولا يقضي عليهم فيموتوا نعوذ بالله منها فإذ لا شك فيه فقد صح يقينا أن الشفاعة التي أوجب الله عز وجل لمن أذن له واتخذه عنده عهدا ورضي قوله فإنما هي لمذنبي أهل الإسلام وهكذا جاء الخبر الثابت
( قال أبو محمد ) وهما شفاعتان أحدهما الموقف وهو المقام المحمود الذي جاء النص في القرآن به في قوله « عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا » وهكذا جاء الخبر الثابت نصا والشفاعة الثانية في إخراج أهل الكبائر من النار طبقة طبقية على ما صح في ذلك الخبر وأما قول الله تعالى « قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا » « لا تملك نفس لنفس شيئا » فما خالفناهم في هذا أصلا وليس هذا من الشفاعة في شيء فنعم لا يملك لأحد نفعا ولا ضرا ولا رشدا ولا هدى وإنما الشفاعة رغبة إلى الله تعالى وضراعة ودعاء وقال بعض منكري الشفاعة أن الشفاعة ليس إلا في المحسنين فقط واحتجوا بقوله تعالى « ولا يشفعون إلا لمن ارتضى »
( قال أبو محمد ) وهذا لا حجة لهم فيه لأن من أذن الله في إخراجه من النار وأدخله الجنة وأذن للشافع في الشفاعة له في ذلك فقد ارتضاه وهذا حق وفضل لله تعالى على من قد غفر
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 64
مساهمون: ابن حزم
ص٦٤