تنسب إليه أن يعلم السحر الذي عندك ضلال وكفر وأما أن يكون هاروت وماروت ملكين نزلا بشريعة حق بعلم ما على أنبياء فعلماهم الدين وقالا لهم لا تكفروا نهيا عن الكفر بحق وأخبراهم أنهم فتنة يضل الله تعالى بهما وبما أتيا به من كفر به ويهدي بهما من آمن به قال تعالى عن موسى أنه قال له « إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء » وكما قال تعالى « ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون » ثم نسخ ذلك الذي أنزل علي الملكين فصار كفرا بعد أن كان إيمانا كما نسخ تعالى شرائع التوراة والإنجيل فتمادت الجن على تعلم ذلك المنسوخ وبالجملة فما في الآية من نص ولا دليل على أن الملكين علما السحر وإنما هو اقحام أقحم بالآية بالكذب والإفك بل وفيها بيان أنه لم يكن سحرا بقوله تعالى « ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل » ولا يجوز أن يجعل المعطوف والمعطوف عليه شيئا واحدا إلا ببرهان من نص أو اجماع أو ضرورة وإلا فلا أصلا وأيضا فإن بابل هي الكوفة وهي بلد معروف بقربها محدودة معلومة ليس فيها غار فيه ملك فصح أنه خرافة موضوعة إذ لو كان لك لما خفي مكانهما على أهل الكوفة فبطل التعلق بهاروت وماروت والحمد لله رب العالمين
( قال أبو محمد ) وقد ادعى قوم أن إبليس كان ملكا فعصى وحاشا لله من هذا لأن الله تعالى قد كذب هذا القول بقوله تعالى « إلا إبليس كان من الجن » وبقوله « أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني » ولا ذرية للملائكة وبقوله تعالى « إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم » وبإخباره أنه خلق إبليس من نار السموم وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال خلقت الملائكة من نور والنور غير النار بلا شك فصح أن الجن غير الملائكة والملائكة كلهم خيار مكرمون بنص القرآن والجن والإنس فيهما مذموم ومحمود فإن قال قائل أن الله عز وجل ذكر أنهم قالوا « أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك » وهذا تزكية لأنفسهم وقد قال تعالى ولا تزكوا أنفسكم قلنا وبالله تعالى التوفيق مدح المرء نفسه ينقسم قسمين أحدهما ما قصد به المرء افتخارا بغيا وانتقاصا لغيره فهذه هي التزكية وهو مذموم جدا والآخر ما خرج مخرج الإخبار بالحق كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا سيد ولد آدم ولا فخر وفضلت على الأنبياء وكقول يوسف عليه السلام إجعلني
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 34
مساهمون: ابن حزم
ص٣٤