تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
أخبث طبيعة من الموصوف الذي ادعى العلاف أنه ربه ونعوذ بالله مما ابتلاهم به وأما أبو المعتمر معمر بن عمر والعطار البصري مولى بني سليم أحد شيوخهم وأئمتهم فكان يقول بأن في العالم أشياء موجودة لا نهاية لها ولا يحصيها الباري تعالى ولا أحد أيضا غيره ولا لها عنده مقدار ولا عدد وذلك أنه كان يقول أن الأشياء تختلف بمعان فيها وأن تلك المعاني تختلف بمعان أخر فيها وتلك المعاني تختلف بمعان أخر فيها وهكذا بلا نهاية أيضا تكذيب واضح لله تعالى في قوله « وكل شيء عنده بمقدار » وفي قوله تعالى « وأحصى كل شيء عددا » ووافقه الدهرية في قولهم بوجود أشياء لا نهاية لها وعلى هذا طلبته المعتزلة وبالبصرة عند السلطان حتى فر إلى بغداد ومات بها مختفيا عند إبراهيم بن السيد بن شاهك بو وكان معمر أيضا يزعم أن الله عز وجل لم يخلق شيئا من الألوان ولا طولا ولا عرضا ولا طعما ولا رائحة ولا خشونة ولا أملاسا ولا حسنا ولا قبيحا ولا صوتا ولا قوة ولا ضعفا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ولا مرضا ولا صحة ولا عافية ولا سقما ولا عمى ولا بكما ولا بصرا ولا سمعا ولا فصاحة ولا فساد للثمار ولا صلاحها وإن كل ذلك فعل الأجسام التي وجدت فيها هذه الأعراض بطباعها فأعلموا أن هذا الفاسق قد أخرج نصف العالم عن خلق الله تعالى لأنه ليس للعالم شيء إلا الجواهر الحاملة والأعراض المحمولة فقط فالنصف الواحد عنده غير مخلوق لعنه الله من مكذب لله تعالى في نص قوله تعالى « خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا » وقد عورض معمر بهذه الآية فقال إنما أراد انه خلق الإماتة والأحياء وذكر عنه أنه كان ينكر أن يكون الله عز وجل عالما بنفسه وذلك لأن العالم إنما يعلم غير مولا يعلم نفسه وكان يزعم أن النفس ليست جسما ولا عرضا ولا هي في مكان أصلا ولا تماس شيئا ولا تباينه ولا تتحرك ولا تسكن ( قال أبو محمد ) وهذا قول أهل الإلحاد محضا بلا تأويل بعني القائلين منهم بقدم النفس وأنها الخالقة للإنسان نعوذ بالله من الضلال وكان يقول أن الله تعالى لا يعلم نفسه ولا يجهلها لأن العالم غير المعلوم ومحال أن يقدر على الموجودات أو أن يعلمها وأن يجهلها وقال أبو العباس عبد الله بن محمد الأنباري المعروف بالناشي ولقبه شرسير في كتابه في المقالات وأن الله تعالى عن كفره لا يقدر على أن يسوي بنان الإنسان بعد أن سبق في علمه أنه لا يسويها
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 194 | ابن حزم