وقال تعالى « إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون » فنص عز وجل في هذه الآية على أن من أمن بلسانه ولم يعتقد الإيمان بقلبه فإنه كافر ثم أخبرنا تعالى بالمؤمنين من هم وأنهم الذين آمنوا وأيقنوا بألسنتهم وقلوبهم معا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم وأخبر تعالى أن هؤلاء هم الصادقون
قال أبو محمد ويلزمهم أن المنافقين مؤمنون لإقراهم بالإيمان بألسنتهم وهذا قول مخرج عن الإسلام وقد قال تعالى « إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا » وقال تعالى « إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم » فقطع الله تعالى عليهم بالكفر كما ترى لأنهم أبطنوا الكفر
قال أبو محمد وبرهان آخر وهو أن الإقرار باللسان دون عقد القلب لأحكم له عند الله عز وجل لأن أحدنا يلفظ بالكفر حاكيا وقارئا له في القرآن فلا يكون بذلك كافرا حتى يقر أنه عقده
قال أبو محمد فإن احتج بهذا أهل المقالة الأولى وقالوا هذا يشهد بأن الإعلان بالكفر ليس كفرا قلنا له وبالله تعالى التوفيق قد قلنا أن التسمية ليست لنا وإنما هي لله تعالى فلما أمرنا تعالى بتلاوة القرآن وقد حكى لنا فيه قول أهل الكفر وأخبرنا تعالى أنه لا يرضى لعباده الكفر خرج القارئ للقرآن بذلك عن الكفر إلى رضى الله عز وجل والإيمان بحكايته ما نص الله تعالى بأداء الشهادة بالحق فقال تعالى « إلا من شهد بالحق وهم يعلمون » خرج الشاهد المخبر عن الكافر بكفره عن أن يكون بذلك كافر إلى رضى الله عز وجل والإيمان ولما قال تعالى « إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا » أخرج
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 208
مساهمون: ابن حزم
ص٢٠٨