وأخرى وهي قوله أن النيل محيط ببلد زويلة وجيحان محيط ببلد الحبشة وهذه كذبة شنيعة فاحشة ما في جميع أرض السودان الحبشة وغير الحبشة نهر غير النيل أصلا ويتفرع سبعة فروع كلها مخرج واحد ثم يجتمع فوق بلاد النوبة وكذبة ثالثة وهي قوله أن ببلد زويلة اللؤلؤ الجيد وهذا كذب ما للؤلؤ بها مكان أصلا إنما
اللؤلؤ في مغاصاته في بحر فارس وبحر الهند وأنهار بالهند والصين وهذه فضائح لا خفاء بها لم يقلها الله تعالى قط ولا إنسان يهاب الكذب فإن قال قائل فقد صح عن نبيكم صلى الله عليه وسلم أنه قال النيل والفرات وسيحان وجيحان من أنهار الجنة قلنا نعم هذا حق لا شك فيه ومعناه هو على ظاهره بلا تكليف تأويل أصلا وهي أسماء لأنهار الجنة كالكوثر والسلسبيل فإن قيل قد صح عنه عليه السلام أنه قال ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة وروى عنه مقبري ومنبري روضة من رياض الجنة قلنا هذا حق وهو من أعلام نبوته لأنه أنذر بمكان قبره فكان كما قال وذلك المكان لفضله وفضل الصلاة فيه يؤدي العمل فيه إلى دخول الجنة فهي روضة من رياضها وباب من أبوابها ومعهود اللغة أن كل شيء فاضل طيب فإنه يضاف إلى الجنة ونقول لمن بشرنا بخبر حسن هذا من الجنة وقال الشاعر
روائح الجنة في الشباب
وليس كذلك هذا الذي في توراة اليهود لأن واضعها لم يدعها في ليس من كذبه بل بين أنه عنى النيل النحيط بأرض زويلة بلد الذهب الجيد ودجلة التي بشرقي الموصل وجيحان المحيط ببلد الحبشة التي لم تخلق بعد فلم يدع لطالب تأويل لكلامه حيلة ولا مخرجا وأيضا فإنهم لا يمكنهم البتة تخريج ما في توراتهم المكذوبة على ما وصفنا نحن الآن في نص توراتهم إن الجنة التي أخرج منها آدم لأكله من الشجرة التي فيها إنما هي شرقي عدن في الأرض لا في السماء كما نقول نحن فثبتت الكذبة لا مخرج منها أصلا ولو لم يكن في توراتهم إلا هذه الكذبة وحدها لكفت في بيان أنها موضوعة لم يأت بها موسى قط ولا هي من عند الله تعالى
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 119
مساهمون: ابن حزم
ص١١٩