وقوله :
وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ
الخ ؛ النهي عن الرأفة النهي عن المسبب بالنهي عن سببه إذ الرأفة بمن يستحق نوعا من العذاب توجب التساهل في إذاقته ما يستحقه من العذاب بالتخفيف فيه وربما أدّى إلى تركه ، ولذا قيّده بقوله :
« فِي دِينِ اللَّهِ »
أي حال كون الرأفة أي المساهلة من جهتها في دين اللّه وشريعته .
وقيل : المراد بدين اللّه حكم كما في قوله تعالى :
ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ
( يوسف / 76 ) أي في حكمه أي لا تأخذكم بهما رأفة في إنفاذ حكم اللّه وإقامة حدّه .
وقوله :
إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
أي إن كنتم كذا وكذا فلا تأخذكم بهما رأفة ولا تساهلوا في أمرهما وفيه تأكيد للنهي .
وقوله :
وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
أي وليحضر ولينظر إلى ذلك جماعة منهم ليعتبروا بذلك فلا يقتربوا الفاحشة .
قوله تعالى :
الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
ظاهر الآية وخاصة بالنظر إلى سياق ذيلها المرتبط بصدرها أن الذي تشمل عليه حكم تشريعي تحريمي وإن كان صدرها واردا في صورة الخبر فإن المراد النهي تأكيدا للطلب وهو شائع .
والمحصّل من معناها بتفسير من السنة من طرق أئمة أهل البيت عليهم السّلام أن الزاني إذا اشتهر منه الزنا وأقيم عليه الحد ولم تتبيّن منه التوبة يحرم عليه نكاح غير الزانية والمشركة ، والزانية إذا اشتهر منها الزنا وأقيم عليه الحد ولم تتبين منه التوبة يحرم أن ينكحها إلا زان أو مشرك .
فالآية محكمة باقية على إحكامها من غير نسخ ولا تأويل ، وتقييدها بإقامة الحد وتبيّن التوبة مما يمكن أن يستفاد من السياق فإن وقوع الحكم بتحريم النكاح بعد الأمر بإقامة الحد يلوّح إلى أن المراد به الزاني والزانية المجلودان ، وكذا إطلاق الزاني والزانية على من ابتلي بذلك ثم تاب توبة نصوحا وتبيّن منه ذلك ، بعيد من دأب القرآن وأدبه .