تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
والإمعان فيه . قابل إبراهيم عليه السّلام أباه فيما أساء اليه وهدّده وفيه سلب الأمن عنه من قبله بالسلام الذي فيه إحسان وإعطاء أمن ، ووعده أن يستغفر له ربه وأن يعتزلهم وما يدعون من دون اللّه كما أمره أن يهجره مليّا . أما السلام فهو من دأب الكرام قابل به جهالة أبيه إذ هدّده بالرجم وطرده لكلمة حق قالها ، قال تعالى :
وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً
( الفرقان / 72 ) ، وقال :
وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً
( الفرقان / 63 ) ، وأما ما قيل : إنه كان سلام توديع وتحية مفارقة وهجرة امتثالا لقوله :
« اهْجُرْنِي مَلِيًّا »
ففيه أنه اعتزله وقومه بعد مدة غير قصيرة . وأما استغفاره لأبيه وهو مشرك فظاهر قوله :
« يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا »
أنه عليه السّلام لم يكن وقتئذ قاطعا بكونه من أولياء الشيطان أي مطبوعا على قلبه بالشرك جاحدا معاندا للحق عدوا للّه سبحانه ولو كان قاطعا لم يعبّر بمثل قوله :
« إِنِّي أَخافُ »
بل كان يحتمل أن يكون جاهلا مستضعفا لو ظهر له الحق اتّبعه ، ومن الممكن أن تشمل الرحمة الإلهية لأمثال هؤلاء قال تعالى :
إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً
( النساء / 99 ) ، فاستعطفه عليه السّلام بوعد الاستغفار ولم يحتم له المغفرة بل أظهر الرجاء بدليل قوله :
« إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا »
وقوله تعالى :
إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ
( الممتحنة / 4 ) . ويؤيد ما ذكر قوله تعالى :
ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ، وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ
( التوبة / ) ، فتبرّيه بعد تبيّن عداوته دليل على أنه كان قبل ذلك عند الموعدة يرجو أن يكون غير