قوله :
« وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ »
وأما قول من قال بكونه ظرفا لقوله :
« صِدِّيقاً »
أو قوله :
« نَبِيًّا »
فهو تكلف يستبشعه الطبع السليم .
وقد نبّه إبراهيم أباه فيما ألقى اليه من الخطاب أولا ان طريقه الذي يسلكه بعبادة الأصنام لغو باطل ، وثانيا أن له من العلم ما ليس عنده فليتبعه ليهديه إلى طريق الحق لأنه على خطر من ولاية الشيطان .
فقوله :
« يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ »
الخ ؛ إنكار توبيخي لعبادته الأصنام وقد عدل من ذكر الأصنام إلى ذكر أوصافها
« ما لا يَسْمَعُ »
الخ ؛ ليشير إلى الدليل في ضمن إلقاء المدلول ويعطي الحجة في طيّ المدعي وهو أن عبادة الأصنام لغو باطل من وجهين : أحدهما أن العبادة إظهار الخضوع وتمثيل التذلّل من العابد للمعبود فلا يستقيم إلا مع علم المعبود بذلك ، والأصنام جمادات مصوّرة فاقدة للشعور لا تسمع ولا تبصر فعبادتها لغو لا أثر لها ، وهذا هو الذي أشار اليه بقوله :
« لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ »
.
وثانيهما : أن العبادة والدعاء ورفع الحاجة إلى شيء إنما ذلك ليجلب للعابد نفعا أو يدفع عنه ضررا فيتوقف ولا محالة على قدرة في المعبود على ذلك ، والأصنام لا قدرة لها على شيء فلا تغني عن عابدها شيئا بجلب نفع أو دفع ضرر فعبادتها لغو لا أثر لها ، وهذا هو الذي أشار اليه بقوله :
« وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً »
.
وقد تقدم في تفسير سورة الأنعام أن هذا الذي كان يخاطبه إبراهيم عليه السّلام بقوله :
« يا أَبَتِ »
لم يكن والده وإنما كان عمه أو جده لامه أو زوج أمه بعد وفاة والده فراجع .
والمعروف من مذهب النحاة في لفظ
« يا أَبَتِ »
أن التاء عوض من ياء المتكلم ومثله « يا أمّت » ويختص التعويض بالنداء فلا يقال مثلا قال أبت وقالت أمت .
قوله تعالى :
يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا
لما بيّن له بطلان عبادته للأصنام ولغويتها وكان لازم معناه أنه سالك طريق