وللرجال في بعض الأحوال فكذلك الغناء والدف قد أبيح في العرس ونحوه وأبيح منه الحداء وغيره وليس في هذا النوع من دلائل التحريم ما في الخمر فظهر ذم الذين يخسف بهم ويمسخون إنما فعل ذلك بهم من جهة التأويل الفاسد الذي استحلوا به المحارم بطريق الحيلة واعرضوا عن مقصود الشارع وحكمته في تحريم هذه الأشياء
وقد خرج ابن بطة عن الأوزاعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يأتي على الناس زمان يستحلون فيه الربا بالبيع قال بعضهم يعنى العينة
وروى في استحلال الربا حديث رواه إبراهيم الحربي عن أبي ثعلبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أول دينكم نبوة ورحمة ثم ملك وجبرية ثم ملك عضوض يستحل في الحر والخز يريد استحلال الفروج الحرام والحر بكسر الحاء المهملة والراء المخففة الفرج قالوا ويشبه - والله أعلم - أن يراد بذلك ظهور استحلال نكاح المحلل ونحو ذلك مما يوجب استحلال الفروج المحرمة فإن الأمة لم يستحل أحد منها الزنا الصريح ولم يرد بالاستحلال مجرد الفعل فإن هذا لم يزل معمولا في الناس ثم لفظ الاستحلال إنما يستعمل في الأصل فيمن اعتقد الشيء حلالا
والواقع كذلك فإن هذا الملك العضوض الذي كان بعد الملك والجبرية قد كان في أواخر عصر التابعين في تلك الأزمان صار في أولي الأمر من يفتى بنكاح المحلل ونحوه ولم يكن قبل ذلك من يفتى به أصلا
ويؤيد ذلك أنه في حديث ابن مسعود رضي الله عنه المشهور أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن آكل الربا وشاهديه وكاتبه والمحلل والمحلل له
وروى أحمد عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما ظهر في قوم الربا والزنا إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله فهذا يشعر بأن التحليل من الزنا كما يشعر أن العينة من الربا
وقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفا ومرفوعا قال يأتي على الناس زمان يستحل فيه خمسة أشياء - يستحلون الخمر بأسماء يسمونها بها والسحت بالهدية والقتل بالريبة والزنا بالنكاح والربا بالبيع فإن الثلاثة المذكورة أولا قد سنت وأما السحت الذي هو العطية للوالي والحاكم ونحوهما باسم الهدية فهو ظاهر واستحلال القتل بأسم الإرهاب الذي يسميه ولاة الظلم سياسية وأبهة الملك ونحو ذلك فظاهر أيضا وهو نوع من أنواع شريعة القتل المخترعة .
الإعتصام — صفحة 336
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٣٣٦