يحكم عليها هل هي من جملة ما يتخذ دينا أم لا والحاكم هو الشرع وأقوال العالم تعرض على الشرع أيضا وأقل ذلك في الصوفي أن نسأله عن تلك الأعمال إن كان عالما بالفقه كالجنيد وغيره رحمهم الله
ولكن هؤلاء الرجال النابتة لا يفعلون ذلك فصاروا متبعين الرجال من حيث هم رجال لا من حيث هم راجحون بالحاكم الحق وهو خلاف ما عليه السلف الصالح وما عليه المتصوفة أيضا إذ قال إمامهم سهل بن عبد الله التستري مذهبنا مبنى على ثلاثة أصول الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في الأخلاق
والأفعال والأكل من الحلال وإخلاص النية في جميع الأعمال
ولم يثبت في طريقهم اتباع الرجال على انحراف
وحاشاهم من ذلك بل اتباع الرجال شأن أهل الضلال
والسادس رأى نابتة في هذه الأزمنة أعرضوا عن النظر في العلم الذي هم أرادوا الكلام فيه والعمل بحسبه ثم رجعوا إلى تقليد بعض الشيوخ الذين أخذوا عنهم في زمان الصبا الذي هو مظنة لعدم التثبت من الآخذ أو التغافل من المأخوذ عنه
ثم جعلوا أولئك الشيوخ في أعلى درجات الكمال
ونسبوا إليهم ما نسبوا به من الخطأ أو فهموا عنهم على غير تثبت ولا سؤال عن تحقيق المسألة المروية وردوا جميع ما نقل عن الأولين مما هو الحق والصواب كمسألة الباء الواقعة في هذه الأزمنة فإن طائفة ممن تظاهر بالانتصاب للإقراء زعم أنها الرخوة التي اتفق القراء - وهم أهل صناعة الأداء والنحويون أيضا - وهم الناقلون عن العرب - على أنها لم تأت إلا في لغة مرذولة لا يؤخذ بها ولا يقرأ بها القرآن ولا نقلت القراءة بها عن أحد من العلماء بذلك الشان
وإنما الباء التي يقرأ بها - وهي الموجودة في كل لغة فصيحة - الباء الشديدة فأبى هؤلاء من القراءة والإقراء بها بناء على أن التي قرأوا بها على الشيوخ الذين لقوهم هي تلك لا هذه محتجين بأنهم كانوا علماء وفضلاء فلو كانت خطأ لردوها علينا
وأسقطوا النظر والبحث عن أقوال المتقدمين فيها رأسا تحسين ظن الرجال وتهمة للعلم فصارت بدعة جارية - أعني القراءة بالباء الرخوة - مصرحا بأنها الحق الصريح فنعوذ بالله من المخالفة
ولقد ولج بعضهم حين ووجهوا بالنصيحة فلم يرجعوا فكان القرشي المقرئ أقرب
الإعتصام — صفحة 508
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٥٠٨