تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإعتصام — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
شرعا فإن لم تكن معتبرة فهو خلاف ما دلت عليه تلك الأخبار وقد تقدم أنها معتبرة بتلك الأدلة وإن كانت معتبرة فقد صار ثم قسم ثالث غير الكتاب والسنة وهو غير ما نفاه الطبري وغيره وإن قيل إنها تعتبر في الإحجام دون الإقدام لم تخرج تلك عن الإشكال الأول لان كل واحد من الإقدام والاحجام فعل لا بد أن يتعلق به حكم شرعي وهو الجواز وعدمه وقد علق ذلك بطمأنينة النفس أو عدم طمأنينتها فإن كان ذلك عن دليل فهو ذلك الأول بعينه باق على كل تقدير والجواب أن الكلام الأول صحيح وإنما النظر في تحقيقه فاعلم أن كل مسألة تفتقر إلى نظرين نظر في دليل الحكم ونظر في مناطه فأما النظر في دليل الحكم لا يمكن أن يكون إلا من الكتاب والسنة أو ما يرجع إليهما عن إجماع أو قياس أو غيرهما ولا يعتبر فيه طمأنينة النفس ولا نفى ريب القلب إلا من جهة اعتقاد كون الدليل دليلا أو غير دليل ولا يقول أحد إلا أهل البدع الذين يستحسنون الأمر بأشياء لا دليل عليها أو يستقبحون كذلك من غير دليل إلا طمأنينة النفس أن الأمر كما زعموا وهو مخالف لإجماع المسلمين وأما النظر في مناط الحكم فإن المناط لا يلزم منه أن يكون ثابتا بدليل شرعي فقط بل يثبت بدليل غير شرعي أو بغير دليل فلا يشترط فيه بلوغ درجة الاجتهاد بل لا يشترط فيه العلم فضلا عن درجة الاجتهاد ألا ترى أن العامي إذا سأل عن الفعل الذي ليس من جنس الصلاة إذا فعله المصلى هل تبطل به الصلاة أم لا فقال العامي إن كان يسيرا فمغتفر وإن كان كثيرا فمبطل - لم يغتفر في اليسير إلى أن يحققه له العالم بل العاقل يفرق بين الفعل اليسير والكثير فقد انبنى هاهنا الحكم - وهو البطلان أو عدمه - على ما يقع بنفس العامي وليس واحدا من الكتاب أو السنة لأنه ليس ما وقع بقلبه دليلا على حكم وإنما هو مناط الحكم فإذا تحقق له المناط بأي وجه تحقق فهو المطلوب فيقع عليه الحكم بدليله الشرعي وكذلك إذا قلنا بوجوب الفور في الطهارة وفرقنا بين اليسير والكثير في التفريق الحاصل أثناء الطهارة فقد يكتفى العامي بذلك حسبما يشهد قلبه في اليسير أو الكثير فتبطل طهارته أو تصح بناء على ذلك الواقع في القلب لأنه نظر في مناط الحكم .