والاستدلال بأدلته على صحة ما جاءهم به ولم يأمرهم أن يستفتوا فيه نفوسهم ويصدروا عما اطمأنت إليه قلوبهم وقد وضع الأعلام والأدلة فالواجب في كل ما وضع الله عليه الدلالة أن يستدل بأدلته على ما دلت دون فتوى النفوس وسكون القلوب من أهل الجهل بأحكام الله
هذا ما حكاه الطبري عمن تقدم ثم اختار إعمال تلك الأحاديث إما لأنه صحت عنده أو صح منها عنده ما تدل عليه معانيها كحديث الحلال بين والحرام بين إلى آخر الحديث فإنه صحيح خرجه الإمامان ولكنه لم يعملها في كل من أبواب الفقه إذ لا يمكن ذلك في تشريع الأعمال وإحداث التعبدات فلا يقال بالنسبة إلى إحداث الأعمال إذا اطمأنت نفسك إلى هذا العمل فهو بر أو استفت قلبك في إحداث هذا العمل فإن اطمأنت إليه نفسك فاعمل به وإلا فلا
وكذلك في النسبة إلى التشريع التركي لا يتأتى تنزيل معاني الأحاديث عليه بأن يقال إن اطمأنت نفسك إلى ترك العمل الفلاني فاتركه وإلا فدعه
أي فدع الترك واعمل به
وإنما يستقيم إعمال الأحاديث المذكورة فيما أعمل فيه قوله عليه الصلاة والسلام الحلال بين والحرام بين الحديث
وما كان من قبيل العادات من استعمال الماء والطعام والشراب والنكاح واللباس وغير ذلك مما في هذا المعنى فمنه ما هو بين الحلية وما هو بين التحريم وما فيه إشكال - وهو الأمر المشتبه الذي لا يدرى أحلال هو أم حرام فإن ترك الإقدام أولى من الإقدام مع جهلة بحاله نظير قوله عليه السلام إني لأجد التمرة ساقطة على فراشي فلولا أنى أخشى أن تكن من الصدقة لأكلتها فهذه التمرة لا شك أنها لم تخرج من إحدى الحالين إما من الصدقة وهي حرام عليه
وإما من غيرها وهي حلال له فترك أكلها حذرا من أن تكون من الصدقة في نفس الأمر
قال الطبري - فكذلك حق الله على العبد فيما اشتبه عليه مما هو في سعة من تركه والعمل به أو مما هو غير واجب - ان يدع ما يريبه إلى ما لا يريبه إذ يزول بذلك عن نفسه الشك كمن يريد خطبة امرأة فتخبره امرأة أنها قد أرضعته وإياها ولا يعلم صدقها من كذبها فإن تركها أزال عن نفسه الريبة اللاحقة له بسبب إخبار المرأة وليس تزوجه إياها بواجب بخلاف ما لو أقدم فإن النفس لا تطمئن إلى حلية تلك الزوجة .
الإعتصام — صفحة 385
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٣٨٥