وهذا هو المعنى الاصطلاحي لمفهوم العبادة .
وإذا كان هذا هو المعنى الاصطلاحي للعبادة ، فكيف كان توجّه المشركين إلى الوسائط شركاً ، مع أنهم لا يتوجّهون إليها بما هي مصدر الخيرات أصالة بل بما هي شفيعة ووسيطة ؟ وكيف تتحقّق العبادة لغير الله تعالى ؟ وكيف تتحقّق العبادة لله عزّ وجلّ ؟
والجواب هو ما تقدم ، من أن الانكار ليس إنكاراً للوسيلة بما هي وسيلة ، بل بما هي مقترحة ومخترعة من قبل العبيد ، وأما إذا كانت الواسطة بجعل من الله تعالى وإرادته وتحكيماً لسلطانه ، فلا محالة يكون التوسّل والخضوع لتلك الوسيلة طاعة للباري تعالى ، لأنه يكون انقياداً له تعالى على وجه الرغبة والخضوع وأنه مصدر الخيرات مبدءاً وأصالة ، فأي فعل يكون منطلقه من أمر الله عزّ وجلّ لا يكون شركاً ، وإن كان ذلك الفعل بالتوجّه والتوسّل بالوسائط ، ومن ثمّ يكون سجود الملائكة لآدم كما سيأتي - عبادة لله لا لآدم ; لأنه خضوع لله تعالى وامتثالاً لأمره بما أنه مصدر الخيرات .
إذن المدار في تحقّق العبادة وعدمه ليس على ارتباط الطقوس العبادية بغير الله وعدم الارتباط بغيره ، بل المدار في العبادة الخالصة وقوام التوحيد في العبادة على وجود الأمر الإلهي والإرادة الإلهية ، وقوام الشرك في العبادة ليس على تعلّق الفعل العبادي بغير الله ، بل الشرك في العبادة يتقوّم بعدم وجود الأمر والإرادة الإلهية ، وإنما باقتراح من العبد نفسه .
ومن ثمّ لا يكون التوجّه بالكعبة إلى الله عزّ وجلّ في الصلاة شركاً ، بل هو شعار التوحيد .
الإمامة الإلهية ، محاضرات آية الله الأستاذ الشيخ محمد السند — صفحة 45
مساهمون: الشيخ قيصر التميمي
ص٤٥