وقال مخمسا هذه القصيدة بالتماس العلامة السيد ميرزا جعفر القزويني :
طفنا بنادي على بالبشر ملتمع * كم ضم للانس من كهل ومن يفع
ورب شاد هناك اهتاج ذا ولع * ( ورب مجلس أنس فوق مرتفع
قد طال إيوان ( كسرى ) الملك إيوانا )
بناء عز ولكن سقفه كرم * حتى عليه الثريا لم تطأ قدم
ذو منظر عنه ثغر الدهر مبتسم * ( تود لو أنها تحكي له ( إرم )
وعرش ( بلقيس ) أن يحكيه أركانا )
رباعه لم تزل ( يامي ) آهلة * بمن كم افترضوا للوفد نافلة
فمن شذا فخرهم إن رحت سائلة * ( تجري الصبا الغض في مغناه حاملة
له بأردانها شيحا وريحانا )
ومع نديم كأن حيا بمجمرة * مفاكه بأناشيد معطرة
ذي طلعة مثل وجه البدر مسفرة * ( في ليلة مثل صدر الصبح مقمرة
بتنا ، بحيث تبدى الفجر ، ندمانا )
بتنا ومجتمع اللذات مجمعنا * ونشوة الانس لا الصهباء تصرعنا
نحيي الدجى ونميت الهم أجمعنا * ( جذلا سكارى و ( إبراهيم ) ( 405 ) يسمعنا
نشائد الشعر ألحانا فألحانا )
عنوان أخبار أهل الفضل إن رويت * قرآن آيات علياها إذا تليت
لسانها للمقال الفصل إن دعيت * ( إنشان عين بني الدنيا لقد عشيت
عين رأت غيره في الناس إنسانا )
لم تحك أخلاقه الصهباء مرتشفا * ولم تماثله أرباب النهى ظرفا
ممن ترى الكل منهم سابقا أنفا * ( قد فات أقرانه ثم ارتقى شرفا
فما ارتضى النسر ( 406 ) والجوزاء أقرانا )
يفوق حي ملوك الأرض ميتهم * وفوق أنماطها يجري كميتهم ( 407 )
دعني ومدحهم إني رأيتهم * ( من سادة شرعة الاسلام بيتهم
سادوا جميع الورى شيبا وشبانا )
بيت تفاخر هام الصيد أرجلنا * على ثراه ، فتهوي فيه تحملنا
يا ليلة طاب فيها منه منزلنا * ( بتنا ومذهبة الأحزان تشملنا
بحر تناول منه ( نوح طوفانا )
لزورق الفكر سبح في جداوله * وطائر البشر صدح في خمائله
قد شف عن دره صافي مناهله * ( وخضرة الروض حفت في سواحله
فروضه روضة الفردوس أنسانا )
روض من الانس في طل الهنا خظل * كم فيه حيا الندامى شادن غزل
وعاطش الخصر ريان الصبا ثمل * ( وأهيف القدقاني الخد معتدل
إذا بدى وتثنى أخجل البانا )
ظبي من الانس بات الحلي باهضه * ذو مبسم همت لما شمت وامضه
لهوت فيه غضيض الطرف خافضه * ( قد خفف اللين خديه وعارضه
وثقل السكر من عينيه أجفانا )
غض الشمائل من زهو الصبا طرب * كم جد في مهجتي من لحظه لعب
ضرب من الخمر ما في فيه أم ضرب ( 408 ) * ( مهفهف غنج في ثغره شنب
ولؤلؤ رطب ريقا وأسنانا )
أجيل فكري طورا في حواضنه * أي الجواهر كانت من معادنه
وتارة في هوى قلبي وفاتنه * ( أسرح الطرف في معنى محاسنه
فيرجع الطرف عن معناه حيرانا )
أنشى لنا الانس مذ غنى لنا هزجا * فرد منا خليعا كل رب حجى
قد راقنا بهجة بل شاقنا دعجا * ( أظنه كان شمسا أو هلال دجى
أو ريم رمل براه الله إنسانا )
مفضض الثغر ذو كف مخضبة * ووجنة من دماء الصب مشربة
مرخى فروع كنشر المسك طيبة * ( يشتد بين الندامى في مذهبة
كالشمس مشرقة في أفق مغنانا )
لم أدر هل سكبت من ذوب عسجده * أم خده قد كساها من تورده
أم استعارت سناها من توقده * ( إذا هوى يلقط الألباب من يده
سلافها خلتها نارا وقربانا )
فمن طلا أشفعت لي في استيافته * وريقة عذبت لي في ارتشافته
حيا بخمرين زادا في ضرافته * ( فقمت أشرب حينا من سلافته
ومن لمى ثغره المعسول أحيانا )
منعم الجسم لا شالت نعامته * ولا انمحت من بياض الخد شامته
كم عاد بالكاس تجلوها ابتسامته * ( حتى إذا أخذت منا مدامته
وقد تشابه أقصانا وأدنانا )
غنى لنا فصحونا منه عن فرح * كأننا ما شربنا الراح في قدح
وحيث كنا أخذنا منه في ملح * ( وناولتنا غبوقا كف مصطبح
أماتنا السكر أحيانا وأحيانا )
نعم ألم ، ونام الحي ، ظبيهم * يعطي الندامى من الصهباء ما احتكموا
حتى بهم صاح داعي الفجر ويحكم * ( يا رقبة الحي هبوا طال نومكم
قوموا وإن لم تقوموا كان ما كانا )
لقد حلفت ببيت فيه ظللنا * رواق عز علاه طاول القننا ( 409 )
لا خفت دهري لا سرا ولا علنا * ( أنختشي والنقي ابن التقي لنا
سواعد البطش ، يمنانا ويسرانا )
مولى تود الدراري أنها حسبت * منه مناقبه أو فخرها اكتسبت
يعزوه طورا إذا أهل الحجى انتسبت * ( وذلك المجلس السامي به رسبت
أركانه وسمت بالعز كيوانا ( 410 )
ناد قرى الضيف من إحدى عوارفه ( 411 ) * والوفد طائفة فيه كعاكفه
ينسيهم الأهل أنسا في طرائفه * ( إن أخمص القوم نالوا من صحائفه
ما تشتهي النفس ألوانا فألوانا )
ببابه تتلاقى السبل مشرعة * إذ لم يكن غيره للجود مشرعة
تؤم كوثره الوفاد مسرعة * ( ومن صدى ينضر الاقداح مترعة
فيغتدي بالفرات العذب ريانا )
به ( النقي علي ) القدر كوكبها * تهدى به ، إن أضل الركب غيهبها
حبر صفى منه للوراد مشربها * ( غيث إذا انهمرت كفاه تحسبها
إن قطب العام سيلا أم بطنانا )
لئن تجلى أخو مجد بسؤدده * وزانه في البرايا طيب محتده
فإنه والمعالي بعض شهده * ( قد طوق المجد جيدا يوم مولده
وقرط العلم والمعروف آذانا )
عف السريرة ذو نفس مبرأة * معصومة بالتقى من كل سيئة
عن مدحه أي حسنى غير منبئة * ( ولو أنزل اليوم قرآن على فئة
بعد النبي لكان اليوم قرآنا )
كم آمل صدقت فيه عيافته ( 412 ) * جودا وكم ملكت نفسا ظرافته
أجل وكم فطرت قلبا مخافته * ( من بيت مجد لقد شيدت غرافته
فكان للعلم بين الناس عنوانا )
محض النجار كريم الفرع طيبه * سامي العلى من نطاف العز مشربه
من أسرة ودها القرآن موجبه * ( وسادة كل من تلقاه تحسبه
آباؤه ( مضر الحمرا ) و ( عدنانا )
لولاهم حبوة الاسلام ما انعقدت * ولا شريعته أنهارها اطردت
قوم هم سرج الايمان لأخمدت * ( فكم مصابيح علم فيهم اتقدت
مثل المصابيح لا تحتاج برهانا )
بمقطع الرأي كم أوهت مذ اعترضت * صفاة ججة أهل الشرك فاندحضت
أجل وكم ركن غي محكم نقضت * ( وكم يراع لهم أسنانه لفظت
فوائدا أحكمت للعلم أركانا )
منازل الملأ الأعلى منازلهم * وفي السما شرفا تتلى فضائلهم
أكارم تغمر الدنيا نوافلهم * ( فقل لمن قد غدا جهلا يطاولهم
قصر ولا تدعي زورا وبهتانا )
يا منسم الفخر قف واترك مصاعبهم * أتعبت نفسك لن تسمو غواربهم
هيهات فاتك أن تحوي مناقبهم * ( ما أنت والقوم ترجو أن تغالبهم
نعم إذا غالب العصفور عقبانا )
فمت بدائك عن غيظ توهجه * يوري الحشا ومساعيهم تؤججه
فنهجهم للمعالي لست تنهجه * ( ولا تريع لهم سربا وتزعجه
نعم إذا أزعج اليعفور سرحانا ( 413 )
بني العلى طاب في العلياء مغرسكم * وللهدى والندى ما زال مجلسكم
عواصب بجلال الله أرؤسكم * ( فلا تزال يد الأفراح تلبسكم
طول المدى من ثياب البشر قمصانا )
ولا تزال عداكم تشتكي عللا * بين البرية فيها تغتدي مثلا
عواريا من لباسي عزة وعلا * ( ونحن نلبس من أيديكم حللا
نجر فيها على الجوزاء أردانا )
ملابسا كلما مسنا بهن ضحى * رأت حواسدنا من غيظها برحا
كأننا في الورى من نيهنا فرحا * ( نختال فيها على أنف العدى مرحا
وخير أمر أغاض اليوم أعدانا )
هامش
405 يشير إلى إبراهيم الموصلي أحد مشاهير المغنين في العصر العباسي .
406 النسر : نجم .
407 الكميت من الخيل : ما كان لونه بين الأسود والأحمر .
408 الضرب : العسل الأبيض .
409 القنن . أعالي الجبال .
410 كيوان : اسم فارسي لكوكب زحل .
411 العارفة : العطية .
412 العيافة : التفاؤل .
413 اليعفور : الغزال ، والسرحان : الأسد . الذئب .