ويعبر المتصوفة عن هذه الحالة ، التي تحصل معها المعرفة ، بتعبيرات غامضة ، كالبصيرة ،
والكشف ، والعيان المباشر . وغير ذلك .
والذي يبدو ، أن هؤلاء الصوفية - ولو بنحو الموجبة الجزئية - عندما رأوا ، أن الحواس
لا يمكن أن تكون طريقا إلا إلى معرفة ما يقع تحت منالها ، والله مما لا يدرك
بحاسة . وشككوا في قيمة العقل في مجال المعرفة ، لم يبق أمامهم إلا سلوك هذا الطريق ،
وحصرهم معرفة الله بالحدس أو القلب .
وهذا بعينه ، هو ما يظهر ، من بعض فلاسفة القرنين السابع عشر ، والثامن عشر ، كبليز
بسكال ، وأما نويل كنط ، بل ما يذهب إليه بعض أساتذة الفلسفة في هذا القرن حيث يقول ،
وإذن ، فلا بد من أن تكون هناك طريقة أخرى لمعرفة الله عن سبيل آخر ، غير سبيل
العقل المنطقي ، وليس هذا سوى الحدس ( 1 ) .
ب - اختيار ونقاش :
ومهما يكن من أمر ، فإن ما ذهب إليه الحشوية ، وأهل الحديث ، من قولهم ، بإمكان معرفة
العلة الأولى بالسمع ، مما ورد في الكتاب الكريم ، والسنة الشريفة خطأ لا يمكننا
المصير إليه ، وذلك لاستلزامه الدور .
إذ ان ثبوت حجية الكتاب ، فرع إثبات الربوبية ومتوقف عليها توقف الحكم على موضوعه .
فإذا أردنا أن نثبت الربوبية بالكتاب وغيره يلزم أن يكون ثبوت كل منهما متوقفا على
الآخر ، فيكون من توقف الشيء على نفسه . وهذا هو الدور .
هامش
( 1 ) هو الأستاذ ولتر ستيس في كتابه الزمان والأزل 313 .