ز - كلمة أخيرة :
بعد عرضنا لهذه الأمور الخمسة ، التي تجعلنا لا نركن إلى سلامة قصد الأشعري فيما
اتخذه من موقف يبقى علينا أن نتساءل باستغراب ، عن الداعي إلى مثل هذا الإخراج
المسرحي المتقن ، الذي أبرز به انفصاله عن أستاذه ومدرسته . ؟
هل أراد الأشعري من ورائه ، أن يسبق الزمن ، لينجو مما بدت نذره في الأفق القريب
مؤذنة بأفول نجم سعود المعتزلة ، وطلوع نجم نحوسهم ، بعد أن ابتدأت السلطة العباسية ،
بالتخلي عن موقفها المؤيد لهم ، وبعد أن اشتدت النقمة الشعبية عليهم ، إثر مصيبة ابن
حنبل ، فيما يسمى بمحنة خلق القرآن ، والتي نسبت إليهم ؟
قد يكون في تأكيده الشديد على خروجه من بين المعتزلة ، وإصراره على البراءة منهم ،
ووعده القاطع بإخراج فضائحهم ، وإعلانه الصريح عن توبته عما كان فيه ، قد يكون في كل
ذلك قرينة كبيرة على أن جواب تساؤلنا إيجابي ومثبت .
أم تراه أراد أن يستبق الزمن ، ليستميل الحنابلة أنفسهم ، علهم يرتضون سلوكه في
جملتهم ، فيظلله نجم سعودهم الذي بدت بشائره في الأفق القريب ، فيجني من وراء ذلك
الشهد ، بعد أن أذاقهم مر العلقم ؟
قد يكون تمجيده لإمامهم أحمد ، وتعظيمه إياه في خطبته في مسجد البصرة عندما خرج على
الناس بذلك الشكل الملفت للنظر ، والتي سبق أن أثبتنا قسما منها في أوائل هذا
البحث ، قد يكون كل ذلك ، قرينة كبيرة ، تدل على أن جواب تساؤلنا هذا أيضا إيجابي
ومثبت .
دراسات في العقيدة الإسلامية — صفحة 59
مساهمون: محمد جعفر شمس الدين
ص٥٩