وثانيا : لو سلمنا ما ادعي ، من الاضطراب الصناعي ، والاقتصادي ، والفني ، بل والجمود
الفكري ، الذي منيت به الأمة الإسلامية آنذاك ، فلماذا نحمل علم الكلام بالخصوص كل
هذه الأمور ، ونحصر سببها فيه ؟
والواقع ، ان كل ذلك ، يمكن أن نرده - من وجهة نظرنا - إلى سبب جوهري لا ربط له بعلم
الكلام من قريب أو من بعيد .
ذلك أن المسلمين بعد أن استقر الإسلام في البلاد التي فتحت ، وتركزت دعائمه ، انتقلوا
من حياة القتال والحروب ، بما فيها من انشغال عن الأخذ بالمتع والمسرات إلى حياة
وادعة مطمئنة ، يخيم عليها الهدوء والسلام . وانصرف المسلمون إلى التمتع بما أغدق
الله عليهم من أموال وثروات الأمم المغلوبة . حتى غدت بغداد عاصمة الإمبراطورية
الإسلامية ، والتي كانت آنذاك ، مجمعا لكل العناصر التي تكون الأمة مضرب المثل في
اللهو والمجون ، والتفنن في الأخذ بمباهج الحياة وملذاتها .
ومن هنا ، من اتجاه المسلمين - ممثلين في عاصمتهم بغداد - إلى إشباع غرائزهم من حياة
الترف واللهو والمجون ، حتى غرقوا فيها إلى آذانهم ، ابتدأوا نعقد شيئا فشيئا ،
الروح الطموحة والمتسامية ، التي خلقها فيهم الإسلام .
وطبيعي جدا ، أن إنسانا يستطيع ، بما أوتي من مال جم ، أن يوفر له كل ما يمكن أن
يحتاجه في حياته المادية تلك ، من جميع وجوهها ، ألا يتعب نفسه في اختراع أو صناعة ،
أو فن ، أو فكر ، ما دام قادرا على استيراد كل احتياجاته منها ، ولو من أقصى الأرض .
دراسات في العقيدة الإسلامية — صفحة 24
مساهمون: محمد جعفر شمس الدين
ص٢٤