فهنا ، وإن كان العالم قد أجرى تجاربه على عدد محدود من قطع الحديد ، إلا أنه لما
كانت هذه القطع التي أجرى تجاربه عليها ، تشابه كل القطع الأخرى الموجودة في العالم
من الحديد ، كان لا بد من أن تثبت لها نفس الآثار التي من جملتها التمدد بالحرارة .
ولولا هذا القانون ، لما أمكن لأي عالم أن يضع قانونا عاما . ومعنى ذلك القضاء
المبرم على جميع العلوم الطبيعية .
إذا تبين هذا ، تتبين استحالة أن تكون العلة المادية للعالم ، هي نفسها العلة
الفاعلية له .
وذلك ، لأنه على ضوء ما ذكرناه في النقطة الثانية ، اتضح أن العلة المادية للعالم ،
حقيقة عامة وواحدة ، وهي عبارة عن العناصر البسيطة المائة أو أكثر بقليل ، مع كون
العالم متنوع المظاهر ، ومختلف الكيفيات ، ومتباين الحركات ، فلو كانت العلة المادية -
التي هي حسب الفرض حقيقة واحدة - نفسها العلة الفاعلية للعالم على اختلاف مظاهره ،
وتعدد أشكاله ، وتباين حركاته ، لكان معنى ذلك ، أن الحقيقة الواحدة ، تختلف في آثارها ،
وتتناقض في أحكامها وتتباين في ظواهرها . وهذا معناه ، نسف قانون التناسب المذكور
آنفا ، على أنه أساس لكل القوانين العامة في العلوم الطبيعية ، والقائل بأن الحقيقة
الواحدة يستحيل أن تتناقض آثارها ، وتختلف ظواهرها . . .
بعد كل ما قدمناه ، يتضح إفلاس المذهب الطبيعي ، عن إثبات زعمه بأن العلة الفاعلية
لهذا الكون ، هي نفسها علته المادية ، وببيان فساد كلا المذهبين مذهب المصادفة
والمذهب الطبيعي ، ينتهي الكلام في النقطة الأولى من نقطتي هذا البحث .
دراسات في العقيدة الإسلامية — صفحة 105
مساهمون: محمد جعفر شمس الدين
ص١٠٥