الراوي وديانته ، فيجوز العمل به ، وأمّا إذا لم يكن كذلك فلا ، بل يجب عليه الرجوع إلى
علم الرجال .
وفيه : إن بلغ ذهاب الأكثر والجميع إلى مرتبة توجب القطع فلا يتصوّر فوقه شيءٌ
حتّى يلزم الفحص ، وإن لم يبلغ حدَّ القطع فلا دليل على اعتباره ، بل ربّما يحصل الظنّ
من تصحيح البعض أكثر من تصحيح الأكثر .
ودعوى الإجماع الكاشف عن قول المعصوم ( عليه السلام ) لا معنى له هنا ، لأنّ هذه المسألة
ليست ممّا يتوقّف عليه بيان المعصوم ( عليه السلام ) بل هي من الموضوعات الصِّرْفة يجب على
كلّ مكلّف أن يجتهد فيها حتّى يحصل له ظنٌّ أو قطع ، فسبيلها كسائر المبادئ ممّا
يتوقّف عليه علم الفقه ؛ كالنحو والصرف واللغة وأمثالها .
أمّا الثاني ؛ فقد عرفت أنّ حكمه الرجوع إلى علم الرجال ، [ وهو ] يكون ممكناً
وميسوراً من غير أدائه إلى العسر والمشقّة .
وتوهّم لزوم العسر فاسدٌ ، لسهولة الرجوع إلى الكتب الرجاليّة .
فغاية الرجوع تحصيل الظنّ بقواعده ، سيّما بعد ملاحظة مذاق المتأخّرين من
بنائهم في التصحيح على الظنّ ، فتحصيل ذلك - بعد المراجعة إلى الكتب التي جمعت
القواعد ، ورُتّبت فيها على نحو الكمال - يمكن بغاية السهولة ، وإن كان عَسِراً لدى
الهِمَم القاصرة سيّما في أمثال هذه الأزمنة التي اندرست فيها أسباب العلم وأهله ، وقلّ
الاشتغال بأمثال هذه العلوم ، فلم يَبْقَ منها إلاّ الرسم ، ولم يبق من العلماء إلاّ الاسم ،
ولعلّه لم يسبق علينا زمانٌ كان أهله كذلك ، فوا أسفاً ثمّ وا أسفاً على هذه الأزمنة التي
تعطّلت [ فيها ] أمور التدريس والتكليف ، وخمدت آثار المذاكرة وأنوار التصنيف .
وبالجملة ، إذا صار الرجوع ممكناً فلا يجوز الرجوع إلى العمل بتصحيح الغير
والاكتفاء بقوله ، بل عليه الرجوع إلى علم الرجال ، والاتّكال على ما حصل له بعد
المراجعة ، وهو المطلوب .
هذا إذا كان الرجوع ميسوراً وأمكن تحصيل المعرفة بقواعده والرجوع إلى العلم .
رسائل في دراية الحديث — صفحة 284
مساهمون: أبو الفضل حافظيان البابلي
ص٢٨٤