لحقوقهم ، ( 1 ) فلا محالة كان المرجع الحق لتلك الأمور الاجتماعية التي يبتلى بها
هامش
1 - لا يخفى أنّ مقتضى الأصل الأوّلي عدم الحكومة والولاية بأنحائها لأحد على أحد ، إذ
بحسب التكوين والخلقة كلّ فرد منحاز عن غيره ومستقل بذاته ، فبأيّ ملاك يتسلط أحد
الفردين على الآخر وينفذ حكمه في حقه مع وجود العزلة التكوينية بينهما ؟ فجميع الناس
بحسب الأصل الأوّلي - إذا لوحظ بعضهم بالنسبة إلى بعض آخر - أحرار مستقلون ، وإذا
حكم بعضهم على بعض وتسلط عليه يراه الوجدان تعدياً وظلماً .
فالحكومة والسلطنة بل والمالكية الظاهرية إنّما تتحقق في وعاء الاعتبار وتنفذ بحسب
الوجدان بتبع السلطنة والمالكية الحقيقية التكوينية .
فالوجدان إنّما يلزم المملوك على إطاعة من يملك ذاته ، ولا يرى له التخلف عن
أوامره نواهيه .
ولا مالك في عالم الوجود إلاّ اللّه تعالى ، فهو مالك لعبيده بشراشر ذواتهم مالكية تكوينية ،
لكونهم متقومي الذات بذاته . فالعقل يحكم بوجوب إطاعة البارىء وكونه مسلطاً على
عبيده يحكم فيهم ما يشاء ويفعل ما يريد ، ولا يشاركه في ذلك أحد حتى الأنبياء والرسل ،
فإنّ صرف جعل منصب النبوّة والرسالة لهم لا يقتضي تسلطهم على النفوس
الناس أعراضهم بل مقتضاه كونهم سفراء بين اللّه وبين خلقه في تبليغ الأحكام .
فالحكومة التي يحكم الوجدان بحقيتها ونفوذها إنّما هي للّه تعالى بتبع مالكيته التكوينية . قد
أشار بذلك في مواضع من كتابه الكريم :
منها : قوله في سورة المائدة ، الآية 44 : ( ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم
الكافرون ) الآية 45 : ( ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الظالمون ) والآية 47 : ( ومن لم
يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الفاسقون ) والآية 50 : ( أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن
من اللّه حكماً لقوم يوقنون ) وفي سورة المؤمن ، الآية 12 : ( فالحكم للّه العلي الكبير ) ونحو
ذلك من الآيات الكثيرة . هذا .
ولكن له تعالى أن يجعل غيره خليفة له في ذلك وإماماً للناس من قبله بحيث يجب على
الناس أن يأتموا به ويطيعوا أمره . ويكون هذه الإطاعة أيضاً بنظر الوجدان من شؤون
إطاعة اللّه تعالى ، وقد أشار بذلك أيضاً في القرآن ، حيث قال في سورة ص ، الآية 26 : ( يا
داود إنّا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ) ففرّع حاكمية داود على
جعله خليفة من قبله .
وهذا المنصب يعلو شرفاً على منصب النبوّة والرسالة بمراتب ، لاقتضائه تسلطاً على
المجتمع لا يقتضيها ذاك كما عرفت .
نعم يمكن أن يجتمع المنصبان لشخص واحد بجعله تعالى ، وقد جعل اللّه تعالى عدّة من
أنبيائه أئمة للناس ، كما صرح ببعضهم في القرآن ، وقال في سورة الأحزاب ، الآية 6 في حق
نبينا ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) فجعل له منصب الولاية والحكومة على
الناس ، وهذا منصب غير منصب النبوة .
وبالجملة الوجدان لا يلزم أحداً على إطاعة غيره إلاّ إذا كان الغير مالكاً له بالمالكية
الحقيقية أو منصوباً من قبل المالك من جهة أنّ إطاعة المنصوب أيضاً من شؤون إطاعته .
وبما ذكرنا يظهر أنّ سائس المسلمين وزعيمهم يجب أن يتعين من قبل اللّه تعالى بتعيين
رسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وتصريح منه ، كما قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في حديث الغدير - بعد ما أخذ بيد علي ( عليه السلام ) - :
" أيها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم ؟ " قالوا : اللّه ورسوله أعلم . قال : " إنّ اللّه
مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم ، فمن كنت مولاه فعلي مولاه . " ( الغدير
ج 1 ص 11 ) .
وأمّا الانتخاب العمومي فلا يغني عن الحق شيئاً ولا يلزم الوجدان أحداً على إطاعة
منتخب الأكثرية ، إذ المنتخب بمنزلة الوكيل ، والموكّل ليس ملزماً على إطاعة وكلية بل له أن يعزله مهما شاء .
هذا بالنسبة إلى الأكثرية ، وأمّا بالنسبة إلى الأقلية فالأمر أوضح ، إذ لا يجب على أحد
بحسب الوجدان أن يطيع وكيل غيره . وعلى هذا فيختل النظام ، فلابدّ لتنظيم الاجتماع من
وجود سائس يجب بحسب الوجدان إطاعته وينفذ حكمه ولو كان بضرر المحكوم
عليه ، ليس ذلك إلاّ من كانت حكومته وولايته بتعيين اللّه تعالى ومن شؤون سلطنته
المطلقة ولو بوسائط كالفقيه العادل المنصوب من قبل الأئمة ( عليهم السلام ) المتعينين بتعيين
رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الذي جعله اللّه أولى بالمؤمنين من أنفسهم . وبما ذكرنا انهدم أساس
خلافة الثلاثة وأركان الحكومات المتداولة غير المنتهية إلى جعل اللّه تعالى ، فافهم واغتنم .
ح ع - م .