وإنّما ذكر القرية من جهة أنّها مظنة عدم وجودهما غالباً . ورواية ابن بكير وإن
كانت ظاهرة في بيان حكم الظهر لكن تحمل الظهر فيها أيضاً على الجمعة بقرينة
قوله : " إذا لم يخافوا " ، فإنّ الخوف لا يتصور إلاّ في إقامة الجمعة التي كان الخلفاء
والأمراء يتصدونها ويرونها من مناصبهم .
أقول : وفي الاستدلال بالأخبار الثلاثة نظر ، أمّا رواية ابن بكير فلعدم كونها
بصدد بيان حكم الجمعة ، بل المستفاد منها جواز الإتيان بالظهر جماعة ، ولا دلالة
لقوله : " لم يخافوا " على إرادة صلاة الجمعة ، إذ الخوف يتصور أيضاً في إتيان الظهر
يوم الجمعة جماعة ، حيث أنَّ المسألة كانت مختلفاً فيها بينهم : فقال الشافعي : يجوز
لمن فاتته الجمعة أن يأتي بالظهر جماعة ، لما دلّ على استحباب الجماعة مطلقاً ولأنّه
صلّى ابن مسعود بعلقمة والأسود لما فاتته الجمعة ، واختار أبو حنيفة ومالك كراهة
الاجتماع فيها ، وفصّل أحمد بين المسجد الذي أقيم فيه الجمعة وغيره فكرهها في ذلك
المسجد . ( 1 ) وكان فتوى أبي حنيفة ومالك شائعة بينهم ، فكان الإتيان بها جماعة
مظنة للخوف .
وأمّا رواية محمّد بن مسلم فيمكن أن يقال : إنّ مفادها أيضاً مفاد رواية ابن
بكير ، بأن يكون المراد بالجمعة فيها صلاة الظهر في يوم الجمعة ، ويكون السؤال عن
أهل القرية من جهة أنّهم لا يتمكنون غالباً من إقامة الجمعة لعدم وجود الإمام أو
من نصبه ، ويكون قوله : " إذا لم يكن من يخطب " لتنقيح الموضوع لا للاحتراز .
فحاصل السؤال أنّه هل يجوز الإتيان بالظهر جماعة في موضع لا يتمكن فيه من
الجمعة ؟ وحاصل الجواب : نعم ، يجوز ذلك ويصلّيها أربعاً حيث لم يوجد من يقيم
الجمعة ويخطب لها كما هو المفروض في سؤاله .
هامش
1 - راجع المغني لابن قدامة 2 / 199 ، كتاب صلاة الجمعة ؛ والتذكرة 1 / 144 ( = ط .
أخرى 4 / 15 ) ، المسألة 379 ؛ والمنتهى 1 / 336 .