الشرط الثاني : قصد المسافة
ومن شروط القصر : قصد المسافة . فلو قصد ما دون المسافة ثم تمادى به السير
إلى أن كملت المسافة لم يقصر بلا خلاف في ذلك .
ويدلّ عليه بعض الأخبار ، مثل ما رواه الشيخ بإسناده عن الصفّار ، عن إبراهيم
بن هاشم ، عن رجل ، عن صفوان ، قال : سألت الرضا ( عليه السلام ) عن رجل خرج من بغداد
يريد أن يلحق رجلا على رأس ميل ، فلم يزل يتبعه حتى بلغ النهروان ، وهي أربعة
فراسخ من بغداد ، أيفطر إذا أراد الرجوع ويقصّر ؟ فقال : " لا يقصّر ولا يفطر ، لأنه
خرج من منزله وليس يريد السفر ثمانية فراسخ ، إنّما خرج يريد أن يلحق صاحبه في
بعض الطريق فتمادى به السير إلى الموضع الذي بلغه . . . " ( 1 )
ويحمل على ذلك أيضاً ما رواه الشيخ بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى ، عن
أحمد بن الحسن ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمّار ، عن أبي
عبد اللّه ( عليه السلام ) ، قال : سألته عن الرجل يخرج في حاجة فيسير خمسة فراسخ أو ستة
فراسخ ، ويأتي قرية فينزل فيها ثم يخرج منها فيسير خمسة فراسخ أخرى أو ستة
فراسخ لا يجوز ذلك ثم ينزل في ذلك الموضع ؟ قال : " لا يكون مسافراً حتى يسير من
منزله أو قريته ثمانية فراسخ فليتم الصلاة . " ( 2 ) ( 3 )
هامش
1 - الوسائل 5 / 503 ( = ط . أخرى 8 / 468 ) ، الباب 4 منها ، الحديث 1 ، ( الخامس من
الطائفة الثالثة ) .
2 - المصدر السابق 5 / 504 ( = ط . أخرى 8 / 469 ) ، والباب ، الحديث 3 .
3 . وربّما يستدل لاعتبار القصد أيضاً بما دل على تحديد المسافة واعتبارها بضميمة
الإجماع والنصوص على جواز التقصير عند بلوغ حد الترخص ، إذ يستفاد من ذلك عدم
اعتبار طيّها في التقصير فيتعين كون الاعتبار بقصدها .
وفيه أنه من الممكن أن يكون القصد طريقياً ويكون الموضوع للتقصير التلبس بسفر
الثمانية ، فتأمل ، أو طي الثمانية خارجاً بنحو الشرط المتأخر .
لا يقال : يستفاد من صحيحة زرارة - الحاكمة فيمن قصد المسافة وصلّى قصراً ثم بداله
بعدم وجوب الإعادة - أنّ طيّ المسافة خارجاً غير معتبر في التقصير ، وقد أفتى على طبقها
المشهور .
فإنّه يقال : يعارض الرواية في ذلك صحيح أبي ولاّد وخبر المروزي ، حيث حكما في
الفرض بالإعادة ، ولا نسلّم إعراض المشهور عنهما وإن ادعي ، لعدم كون المسألة معنونة في
كلمات أكثر القدماء . نعم ، عنونها الشيخ وأفتى في النهاية ص 123 بمضمون صحيحة
زرارة ، وفي الاستبصار - ج 1 ص 228 - والتهذيب - ج 4 ص 226 - جعل المدار خبر
المروزي وحمل صحيحة زرارة على القضاء خارج الوقت ، أو على ما إذا لم يقض له الخروج
ولكن لم يرجع بعد عن نية السفر ، إذ يلزمه القصر حينئذ بينه وبين ثلاثين يوماً .
وكيف كان فليس الإفتاء بعدم الإعادة في الفرض مشهوراً بين القدماء من أصحابنا بحيث
يحرز به إعراضهم عن الخبرين . نعم ، اشتهر بين المتأخرين الإفتاء بذلك وحمل الخبرين
على الاستحباب ، مع أن هذا الحمل بعيد عن مساقهما جدّاً ، فراجع .
ثم إنهم اعتبروا وراء المسافة وقصدها استمرار القصد ، فجعلوه شرطاً ثالثاً واستدلوا على
اعتباره بصحيح أبي ولاّد ورواية المروزي .
وفيه أن المستفاد منهما كون الإتمام مستنداً إلى عدم تحقق طيّ المسافة خارجاً لا عدم
استمرار القصد ، كما أن الإتمام في الفروع التي فرعها في العروة - ج 2 ص 119 ، في الشرط
الثالث من شروط القصر - على اعتبار الاستمرار أيضاً لعله مستند إلى عدم تحقق طيّها .
نعم ، لو كان الاستمرار شرطاً زائداً وراء المسافة وقصدها تفرع عليه وجوب الإتمام فيما إذا
قصد المسافة ثم بدا له في الأثناء ولكن تمادى به السير إلى الثمانية . وكيف كان فاستفادة
اعتبار هذا الشرط من الخبرين مشكل . نعم ، يمكن أن يقال : إنّ المستفاد من أدلة اعتبار
القصد اعتباره بنحو يكون سير الثمانية ناشئاً منه لا اعتبار حدوثه أوّلا في نفس المسافر إن
لم يكن سيره مستنداً إليه ، فتدبّر . ح ع - م . وصحيح أبي ولاّد رواه الشيخ في الاستبصار
1 / 238 ؛ والتهذيب 3 / 221 .