الاستصحاب والبراءة على كلّ تقدير وإن كان أمرا ظاهرا لا سترة فيه أصلا إلَّا أنّ كلمات جمع من الأصحاب سيّما الشّيخ والمحقّق والعلَّامة في جملة من كلماتهم لا يساعد عليه كما يظهر بالتّصفح فيها فلعلّ الوجه كون مبنى الأصلين عندهم على الظَّنّ النّوعي الحاصل من ملاحظة الحالة السّابقة أو غيرها فتأمل
المقام الثّاني : في حكم مقابلته مع أصالة الاحتياط وقاعدة الشّغل فإن استندنا في القاعدة في مواردها إلى حكم العقل بها فلا إشكال في ورود الاستصحاب عليها من حيث إنّ مبنى حكم العقل بها هو حكمه بوجوب دفع العقاب المحتمل على ما عرفته مرارا ومن المعلوم ضرورة بحكم العقل ارتفاع احتمال العقاب بتجويز الشّارع لترك محتمل الوجوب أو التّحريم ولو في مرحلة الظَّاهر فإذا أجري استصحاب التّمام أو القصر في موارد دوران الأمر بينهما موضوعا أو حكما فلا يجري قاعدة الاشتغال الحاكمة بوجوب الجمع بينهما لحصول البراءة القطعيّة عن تبعة مخالفة الواقع على تقدير الاقتصار على المستصحب وإن كان الخطاب الواقعي بالواقع باقيا على تقدير مخالفة الاستصحاب له فيحكم بوجوب الإعادة والقضاء على تقدير انكشاف الخلاف في الوقت أو خارجه وإن استندنا فيها إلى أخبار الاحتياط فإن قلنا بأنّ مفادها تأكيد حكم العقل بها وأنّ الموضوع فيها دفع التّهلكة المحتملة في الواقع المردّد المجهول كما بنينا الأمر عليه في مطاوي كلماتنا السّابقة في الجزء الثّاني من التّعليقة على تقدير تسليم دلالتها على خصوص الطَّلب الإلزامي الإرشادي لا الطَّلب الإرشادي القدر المشترك على ما استظهرناه منها فيما قدّمناه لك ثمّة فحالها حال حكم العقل بها فيكون الاستصحاب واردا عليها وإن قلنا بأنّ مفادها التّأسيس والوجوب الشّرعي الظَّاهري المتعلَّق بالواقع المردّد المحتمل على ما يظهر من بعض الأصحاب فحالها حال ما يستفاد منه التّأسيس والحلَّيّة الشّرعيّة الظَّاهريّة المتعلَّقة بنفس محتمل التّحريم من أخبار البراءة فيكون الاستصحاب حاكما عليها كيف وفي موارد الصّحاح من أخبار الاستصحاب يكون القاعدة على خلافها كما هو ظاهر هذا حال الاستصحاب مع القاعدة وأمّا استصحاب الاشتغال في موردها
فقد أسمعناك مرارا أنّه لا يجري في مورد القاعدة من حيث إنّ بقاء الاشتغال بحسب الواقع ونفس الأمر لا يترتّب عليه أثر حتّى يجري استصحابه
ثمّ مع الغضّ عن ذلك يدخل في مسألة تقابل الاستصحابين فلا تعلَّق له بالمقام وإن كان يتّضح حكمه ممّا سنوضح لك من حكومة الاستصحاب في الشّك السّببي على الاستصحاب في الشّك المسبّبي حيث إنّ الشّك في بقاء الاشتغال بالواقع مسبّب دائما عن تردّده فإذا حكم بتعيينه في مرحلة الظَّاهر بالاستصحاب فيرتفع التّردّد عنه بحكم الشّارع
المقام الثالث : في تقابل الاستصحاب مع أصالة التّخيير ولا إشكال في وروده عليها من حيث انحصار مدركها في حكم العقل المرتفع موضوعة بالوجدان بمجرّد قيام الدّليل على تعيين أحد الاحتمالين وترجيحه على صاحبه ولو في مرحلة الظَّاهر فإذا حكم بمقتضى الاستصحاب بكون اليوم المردّد بين رمضان وشوّال من رمضان فلا يجري أصالة التّخيير بين احتمالي الوجوب والتّحريم في اليوم المذكور على تقدير القول بكون صوم يوم العيد حراما ذاتا لا تشريعا وإلَّا فيخرج عن مورد أصالة التّخيير كما هو ظاهر هذا كلَّه في تقابل الاستصحاب مع أصالة التّخيير وأمّا لو فرض هناك مورد وقع التّعارض بين استصحاب التّخيير واستصحاب المختار كما يتّفق كثيرا في مسائل التّقليد وقليلا في غيرها فهو خارج عن مفروض تعارض أصالة التّخيير والاستصحاب وداخل في مسألة تعارض الاستصحابين مع وضوح حكمه من حيث إنّ استصحاب التّخيير حاكم دائما على استصحاب المختار فيما كان استصحاب التّخيير جاريا هذا مع أنّ استصحاب التّخيير لا تعلَّق له باستصحاب التّخيير الَّذي هو محلّ الكلام ضرورة عدم تطرّق الشّك إلى حكم العقل فيما يحكم فيه بالتّخيير حتّى يتصوّر فيه الاستصحاب فلا بدّ أن يكون التّخيير المستصحب تخييرا شرعيّا يتصوّر فيه الشّك وهو ليس من الأصول كما هو ظاهر
قوله : وأمّا الكلام في تعارض الاستصحابين وهي المسألة المهمّة إلخ
أقول : المراد من التّعارض في المقام كما في كثير من المسائل المتقدّمة هو مجرّد التّقابل في أوّل الأمر المجامع مع الورود والحكومة أيضا لا ما هو المراد من ظاهره عند الإطلاق الغير المجامع معهما
ثمّ إنّ ما أفاده دام ظلَّه العالي من كثرة الأقسام المتصوّرة في المقام وعدم تأثير الاختلاف في حكم المتعارضين إلَّا من جهة واحدة جامعة لجميع صور الاختلاف والتّعارض أمر واضح لا سترة فيه أصلا كوضوح ما أفاده من عدم تعقّل كون الشّك في كلّ منهما مسبّبا عن الشّك في الآخر ضرورة استحالة كون الشّيء علَّة لشيء ومعلولا له وأمّا ما توهّم من المثال له بالعامين من وجه فهو فاسد جدّا لأنّ الشّك فيهما بالنّسبة إلى مادّة الاجتماع والتّعارض مسبّب عن سبب العلم بعدم إرادة الظَّاهرين كما هو ظاهر
ثمّ إنّ أمثلة القسم الأوّل كثيرة كاستصحاب كرّية الماء وإطلاقه بالنّسبة إلى استصحاب نجاسة المغسول به وحدث المكلَّف واستصحاب طهارة المكلَّف بالنّسبة إلى استصحاب اشتغال ذمّته بالصّلاة على القول بجريان استصحاب الشّغل ونحوهما ممّا يعتبر فيه الطَّهارة واستصحاب نجاسة الملاقي بالنّسبة إلى استصحاب طهارة الملاقى بالفتح إلى غير ذلك
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 223
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٢٢٣