تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
في طيّ بعض التّنبيهات وممّا ذكرنا كلَّه يعرف ما وقع من الأستاذ العلَّامة في المقام من المسامحة في البيان فإنّ ظاهره تسليم كون المقام من استصحاب الكلَّي لإثبات الفرد وقد عرفت فساده وإن أريد الثّاني ففيه أنّ استصحاب الموضوع بالاعتبار المذكور عين استصحاب الحكم لما عرفت من أنّ عروض وصف الموضوعيّة على الموضوع متأخّر عن تعلَّق الحكم به فليس معنى لحكم الشارع باستصحاب الموضوع من حيث إنّه موضوع إلَّا حكمه باستصحاب الحكم المترتّب عليه وقد عرفت أنّه ممّا لا معنى له في المقام هذا مجمل القول في المقام الثّاني وأمّا الكلام في المقام الثّالث : وهو بيان ما هو الميزان لتشخيص الموضوع في باب الاستصحاب الَّذي عرفت لزوم إحرازه فملخّص الكلام فيه أنّ الميزان فيه أحد أمور على سبيل مانعة الخلوّ أحدها : العقل بأن يقال إنّ مقتضاه كون القضيّتين متّحدة من جميع الجهات والاعتبارات الَّتي يحتمل مدخليّتها في الحكم سواء كانت من الأمور العدميّة أو الوجوديّة فإنّ اختلال كلّ جهة يحتمل مدخليّتها في قوام الحكم موجب للشّك في بقاء ما هو المناط والموضوع للحكم في نفس الأمر وإن كان الحكم بالنّظر إلى القضيّة الظَّاهريّة اللفظيّة معلَّقا على ما هو باق في الزّمان اللَّاحق مع اختلال ما يحتمل قوام المصلحة الموجبة للحكم به واقعا إلَّا أنّ القضيّة اللَّفظيّة كاشفة عن القضيّة اللبيّة والحكم واقعا إنّما تعلَّق بما هو الموضوع فيها في نظر الشّارع فاحتمال مدخليّة قيد فيها زال في الزّمان اللَّاحق موجب للشّك في بقاء الموضوع ضرورة أنّ القيود المأخوذة في القضيّة والجهات المعتبرة فيها وإن كثرت يكون لها مدخليّة في موضوعيّة الموضوع ويكون قيودا لها فالموضوع في الحقيقة هو الأمر البسيط خارجا وهو المقيّد بهذه الأمور المركَّب ذهنا وفي التّحليل العقلي فإذا انتفى قيد منها فقد انقلب موضوع الحكم إلى موضوع آخر هذا وقد مرّ تفصيل القول في بيان ذلك عند توضيح استدلال بعض الأخباريين على عدم اعتبار الاستصحاب في الشّبهات الحكميّة بأنّه من أفراد القياس المنهيّ عنه في الشّريعة والقول بأنّه قد يكون القيد المعتبر في القضيّة قيدا للمحمول فلا يستلزم من انتفائه تغيّر الموضوع كما إذا قيل التّبريد حسن في الشّتاء بأن يجعل الشّتاء قيدا وظرفا للحسن لا للتّبريد قد تقدّم فساده سابقا من حيث إنّ ما ذكر اعتبار بالنّظر إلى عالم القضيّة وإلَّا فقيود المحمول راجعة في الحقيقة إلى قيود الموضوع في الأحكام الشّرعيّة ولها مدخليّة في موضوعيّته وفي كونه لطفا موجبا لتعلَّق الحكم به من جانب الشارع وعلى تقدير كونه قيدا للمحمول أيضا منع انتفاؤه من جريان الاستصحاب لأنّك قد عرفت أنّ المعتبر في الاستصحاب اتّحاد القضيّتين موضوعا ومحمولا نعم ؛ يستقيم ما ذكر بالنّسبة إلى غير الشّرعيّات كما في قول القائل زيد قائم مستقيما أو منحنيا حيث إنّ الاستقامة والانحناء حالان للقيام ومثل ذلك وإن كان قد يفرض في الأحكام الشّرعيّة أيضا كما يقال إنّ الفعل الفلاني واجب بالوجوب التّخييري أو التّنجيزي إلى غير ذلك إلَّا أنّه لا ينفع في باب الاستصحاب فلا فرق بناء على هذا التّقدير بين ما إذا ورد من الشّارع الماء ينجس إذا تغيّر أو ورود الماء المتغيّر نجس إذا فرض احتمال مدخليّة التّغير في النّجاسة حدوثا وبقاء إذ لا يعقل الفرق باختلاف التّعبير بعد فرض لزوم إحراز ما هو الموضوع للحكم في نفس الأمر بجميع ما له دخل فيه من التشخّصات من حيث توقّف إحراز الموضوع المتوقّف عليه صدق النّقيض والبقاء على سبيل القطع نعم ؛ لو كان الشّك من جهة تغير الزّمان المجعول ظرفا للحكم كالخيار لم يقدح في جريان الاستصحاب لابتناء الاستصحاب على إلغاء خصوصيّة الزّمان الأوّل والشّك في الحكم من جهة تغييره وإلَّا لم يكن استصحابا كما هو واضح فالاستصحاب على هذا لا يجري في الشّبهات الحكميّة إلَّا في الشّك في الرّافع نعم ؛ يجري في الشّبهات الموضوعيّة بأسرها لأنّ الموضوع في استصحاب وجود الموضوعات هي الماهيّة الباقية الغير الزّائلة على ما سبق الكلام فيه هذا ملخّص ما أفاده الأستاذ العلَّامة في الكتاب وفي مجلس البحث لتقريب هذا الوجه ولكنّك خبير بتطرّق المناقشة إلى ما أفاده دام ظلَّه أمّا أوّلا فللمنع من كون جميع ما له دخل في مناط الحكم واقعا من قيود الموضوع في القضيّة الشّرعيّة إذ قد عرفت عدم قيام برهان على لزوم كون الموضوع في الدّليل الشّرعي هو المناط الأولي فتدبّر وأمّا ثانيا فلأنّه لا دليل على لزوم متابعة العقل في المقام بعد صدق البقاء على الالتزام بما هو المحمول في الدّليل الشّرعي لما هو باق جزما أو بحكم العرف وإن احتمل مدخليّة شيء فيه في الواقع ولسنا محتاجين في باب الاستصحاب إذا كان اعتباره من باب التّعبّد إلى أزيد من ذلك نعم ؛ على القول باعتباره من باب الظَّن لا بدّ من إحراز الموضوع بالدّقة العقليّة لاستحالة الظَّن بالحكم مع الشّك فيما هو المناط فيه سواء على القول باشتراط الظَّن الشّخصي أو كفاية الظَّن النّوعي لأنّ صدق البقاء والنّقض عرفا لا يعقل أن يكون له جدوى في المقام ضرورة استحالة إيراث الصّدق العرفي الظَّن بالمعلول مع الشّك في العلَّة وأمّا ثالثا فلأنّه لو بني على لزوم إحراز ما هو الموضوع والمناط للحكم في الواقع لم يبق فرق بين الشّك في المقتضي والشّك في الرّافع وجودا أو رفعا في الشّبهات الحكميّة لأنّ عدم الرّافع ممّا يكون