تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
إذا كانا في مسألتين ولهذا ليس لنا أن ننسب إليهم التّفصيل فيما أطلقوا بحسب القول مع أنّ لازم الحمل المذكور ذلك كما لا يخفى وقد اعترف الأستاذ العلَّامة بذلك ولهذا قال في مجلس البحث إنّه لا يمكننا أن نعمل بأصالة التّأخّر فيما أطلقوا وإن قلنا باعتبار الأصل المثبت أيضا بل ذكر أنّ العمل بالأصل في مجهول التّاريخ فيما أطلقوا القول فيه بالنّسبة إلى الحكم المترتّب على عدمه أيضا في غاية الإشكال وإن كان ما ذكره دام ظلَّه لا يخلو عن إشكال ما لم يستظهر إجماع منهم في المسألة على العمل بخلاف الأصل فتبيّن ممّا ذكرنا فساد الوجه الأوّل هذا وقد يتأمّل فيما ذكره الأستاذ العلَّامة من الجمع بين الوجهين وإن كان الثّاني مبنيّا على التّنزّل لأنّ الجزم بالأوّل ينافي الثّاني وإن كان على الوجه المذكور فتأمّل ثانيهما : ما يظهر من بعض مشايخنا تبعا لبعض الأساطين حسب ما استظهره الأستاذ من كلامه الَّذي ستقف عليه من عدم العمل بالأصل في مجهول التّاريخ مطلقا حتّى بالنّسبة إلى الأحكام المترتّبة على نفس مجرى الأصل حيث قال في ذيل جملة كلام له في باب الرّهن في مسألة اختلاف الرّاهن والمرتهن في تقدّم الرّجوع عن الإذن في البيع على البيع وتأخّره عنه ما هذا لفظه نعم ؛ يبقى شيء أشار إليه في الدّروس والحواشي وتبعه عليه غيره وهو أنّ كلام الأصحاب يتمّ فيما إذا أطلق الدّعويان ولم يعيّنا وقتا للبيع أو الرّجوع وأمّا إذا عيّنا وقتا واختلفا في الآخر فلا يتمّ لأنّهما إذا اتّفقا على وقوع البيع يوم الجمعة مثلا واختلفا في تقديم الرّجوع عليه وعدمه فالأصل التّأخّر وعدم التقدّم فيكون القول قول الرّاهن وينعكس الحكم لو اتّفقا على عدم تقدّم وقت الرّجوع واختلفا في تقديم البيع عليه وعدمه وهذه مسألة تأخّر مجهول التّاريخ عن معلومه وقد حقّقنا الكلام فيها في مقام آخر ولعلّ إطلاق الأصحاب هنا وفي مسألة الجمعتين ومسألة من اشتبه موتهم في التّقدم والتّأخر ومسألة تيقّن الطَّهارة والحدث وغيرها شاهد على أنّ أصالة التّأخّر إنّما تقضي بالتّأخّر على الإطلاق لا بالتّأخّر عن الآخر ومسبوقيّته به إذ وصف السّبق حادث والأصل عدمه فيرجع ذلك إلى الأصول المثبتة وهي منتفية فأصالة الرّهن هنا حينئذ بحالها إلَّا أنّ الإنصاف عدم خلوّ ذلك عن البحث والنّظر خصوصا في المقام انتهى كلامه رفع مقامه وأنت خبير بأنّ مورد استفادة هذا المطلب منه ليس إلَّا استشهاده بإطلاق كلمات الأصحاب في المسائل المذكورة حسب ما اعترف به الأستاذ العلَّامة ولكنّه لا يخفى عليك أنّ كلامه بعد التّأمّل وإعطاء حقّ النّظر فيه كالصّريح في أنّ مقصوده نفي الآثار المترتّبة على تأخّر أحد الحادثين عن الآخر وأنّه إنّما استشهد بكلماتهم لذلك على ما يشهد به قوله إنّما تقتضي بالتّأخّر على الإطلاق لا بالتّأخّر عن الآخر لا لنفي الآثار المترتّبة على عدم أحد الحادثين كيف وهو سلَّم اقتضاء الأصل المذكور التّأخر على الإطلاق بالمعنى الَّذي عرفته منّا في المراد من أصالة التّأخّر هذا كلَّه مع أنّ ما نقله من الأصحاب واستشهد به إنّما يكون مبنيّا على مجرّد الاحتمال على ما يشهد به لفظة لعلّ سيّما بعد ملاحظة ذيل كلامه فلاحظ وتأمّل ثمّ إنّه على تقدير القول بهذه المقالة لا إشكال في ظهور فساده ممّا ذكرنا وفصّلنا القول فيه وينبغي التّنبيه على أمرين الأوّل : أنّه قد يوجد شيء في زمان ويشكّ في مبدئه فيحكم بتقدّمه من جهة أصالة التّقدّم وتشابه الأزمان وقد يسمّى ذلك بالاستصحاب القهقرى مجازا وقد عرفت في طيّ كلماتنا السّابقة أنّ هذا المعنى غير معتبر عندنا وأنّه لا دخل له بالاستصحاب موضوعا بل هو على عكس الاستصحاب كما لا يخفى نعم ؛ قد يكون تأخّره ملازما لحدوث حادث آخر قبله فبأصالة عدم حدوثه يحكم بتقدّمه فإن كان فيما نقول باعتبار الأصول المثبتة فيه كما في باب الألفاظ فلا إشكال في العمل عليه كما إذا شكّ في الوضع اللَّغوي بعد العلم بالوضع العرفي ولكنّه لا دخل له بالاستصحاب القهقرى بل ولا دخل له بالاستصحاب فإنّك قد عرفت أنّ اعتبار الأصول اللَّفظيّة لا دخل له بمسألة الاستصحاب بل من باب بناء العقلاء عليها من جهة الظَّن وإن كان فيما لا يقول باعتبار الأصل المثبت فيه فلا إشكال في عدم جواز العمل عليه وممّا ذكرنا كلَّه تعرف النّظر فيما ذكره الأستاذ العلَّامة فإنّ إثبات التقدّم بأصالة عدم وجود الحادث الآخر الَّذي يكون الشّك في التّقدم مسبّبا عنه لا دخل له بالاستصحاب القهقرى كما لا يخفى الثّاني : أنّ ما ذكرنا كلَّه من الحكم في الشّك في الحادثين إنّما هو مع قطع النّظر عن الحالة السّابقة قبل العلم بهما أي من حيث اقتضاء نفس الشّك في التّقدّم والتّأخر إذ هو محطَّ البحث في الشّك في الحادث كما لا يخفى وأمّا إذا فرض وجود الحالة السّابقة هناك كما فيما علم بصدور حدث وطهارة منه وشكّ في المقدّم منهما مع العلم بكون الحالة السّابقة الطَّهارة أو الحدث وكما فيما غسل الثّوب النّجس بماءين يعلم بطهارة أحدهما ونجاسة الآخر إلى غير ذلك فهل يؤخذ بمقتضى الحالة السّابقة أو يؤخذ بخلافها وضدّها أو لا يؤخذ بشيء منهما بل يرجع إلى الأصول أو يفصل بين العلم بتاريخ أحدهما والجهل بتاريخهما فيؤخذ في الأوّل