تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
الظَّنون موجبا لتوقّف العقل عن الحكم بوجوب الأخذ بجميعها فيكون في هذا كرّ على ما فرّ لأنّا نقول مجرّد احتمال وجود المزاحمات لا يوجب وقوف العقل عن حكمه الإنشائي وإنّما الموجب له علمه بها لا مجرّد احتمالها لأنّ الأمر مع هذا الاحتمال أيضا دائر بين الإطاعة الظَّنيّة والشّكيّة والوهميّة بحسب اختلاف مراتب الاحتمال قوّة وضعفا نعم ؛ لو فرض كون وجود المفسدة الغالبة مظنونا دخل في مسألة الظَّن المانع والممنوع وستقف على حكمها فيما سيأتي وهذا أمر واضح لا إشكال فيه أصلا قد نبّهنا عليه غير مرّة وممّا ذكرنا تعرف استقامة ما أفاده قدس سره في الجواب عن السّؤال بتطرّق احتمال المفسدة في كلّ ظنّ فلا يستقلّ العقل في الحكم بحجيّته فيعود المحذور بقوله نعم ولكن احتمال المفسدة لا يقدح في حكم العقل إلى آخره قوله قدس سره : إلَّا أن يقال إنّ النّواهي اللَّفظيّة إلخ أقول : لا يخفى عليك أنّ الاستدراك المذكور مبنيّ على الإغماض عن الوجه السّابع وانحصار المصحح للنّهي في زمان الانسداد في ملاحظة المفسدة والمصلحة وإن كانت الطَّريقيّة ملحوظة أيضا ضرورة عدم استقامته مع صحّة النّهي على وجه الطَّريقيّة أيضا هذا وقد يناقش فيما أفاده قدس سره بأنّه إذا بني على التّصرّف في أكثر الأخبار الظَّاهرة في ابتناء النّهي على الطَّريقيّة الصّرفة من جهة وجود الصّارف العقلي فلا يتعيّن حملها على زمان الانفتاح لإمكان التّصرف فيها على وجه لا ينافي حكم العقل مع شمولها للزّمانين كما هو الظَّاهر منها بأنّ المقصود منها الإرشاد إلى غلبة خلاف الواقع في القياس وبيان هذا الأمر المخفيّ وإن لم يكن علَّة النّهي منحصرة فيها بل مركَّبة منها ومن ملاحظة المفسدة كما نطقت به سائر الأخبار ففيه نوع من الجمع بين الأخبار مع إبقائها على ظاهرها وهو شمولها للزّمانين هذا وقد يتفصّى عن المناقشة المذكورة بأنّ ظهور الأخبار في حصر علَّة النّهي في الطَّريقيّة وكثرة الخطاء في العمل بالعقول الظَّنيّة أقوى من ظهورها في العموم فارتكاب التّخصيص أولى من التّصرّف في الحصر مضافا إلى ما ذكر في محلَّه من أنّ ارتكاب التّخصيص في العام عند دوران الأمر بينه وبين ارتكاب خلاف ظاهر آخر أوهن اللَّهمّ إلَّا أن يقال إنّها ظاهرة في القضيّة الطَّبيعيّة الآبية عن التّخصيص ألا ترى إلى قوله عليه السلام في رواية أبان بن تغلب يا أبان إنّك قد أخذتني بالقياس وإن السّنة إذا قيست محق الدّين وإلى قوله عليه السلام في رواية أخرى إنّ دين اللَّه لا يصاب بالعقول وغيرهما فهل يجوز حملها على زمان الانفتاح حاشا ثمّ حاشا فلا بدّ من الالتزام بأنّ اللَّازم المذكور وهو كون العمل بالقياس في معرض خلاف الواقع لا ينفكّ عن العمل به وإن كان الملحوظ في نهي الشارع هو مع شيء آخر وهو اشتمال سلوكه على مفسدة غالبة كما يكشف عنه سائر الأخبار فافهم قوله قدس سره : الوجه السّابع هو أنّ خصوصيّة القياس إلخ أقول : ما أفاده في كمال الوضوح لمن راجع أخبار الباب كما أنّ كون عنوان حكم العقل بحجيّة الظَّن وتقديمه على الشّك والوهم ليس من حيث كونه ظنّا بل من حيث كونه غالب المطابقة والإيصال بالنّسبة إلى الواقع من الواضحات الَّتي لا يحتاج إلى البيان فإذا فرض انكشاف فقد العنوان المزبور بالنّسبة إلى القياس وأشباهه بملاحظة الأخبار الكاشفة عن حالهما فلا محالة يحكم بخروجهما موضوعا عن حكم العقل بحجيّة الظَّن فلا يلزم هناك تخصيص أصلا ومن هنا يحكم بعدم حجيّة جملة من الظَّنون الَّتي علمت غلبة مخالفتها بالنّسبة إلى الأحكام الشّرعيّة كالقرعة والاستخارة والرّمل والنّوم وظنّ غير أهل الخبرة ونحوها فإنّها بأسرها خارجة موضوعا عن حكم العقل ثمّ إنّ رفع اليد عن الواقع أحيانا وفي بعض الموارد والقضايا من جهة حفظ أكثر الوقائع عند الدّوران لما كان حسنا في حكم العقل نظير ارتكاب أقلّ القبيحين عند الدّوران فلا محالة يجوّز العقل نهي الشارع عن العمل بجميع جزئيّات الأمارة المخالفة للواقع كثيرا ولو بالنّسبة إلى الجزئي الَّذي يظنّ كونه مطابقا للواقع من جهة الظَّن بكون موارد المخالفة غير ما حصل الظَّن فيه من الأمارة كما فيما ذكره من المثال في الكتاب فلا يتوهّم أنّ ملاحظة هذا المعنى نوع من ملاحظة المصلحة في النّهي كمصلحة التّسهيل فيرجع هذا الوجه إلى سابقه حيث إنّ ملاحظة حفظ الواقع في موارد الأمارة المنهيّ عنها عين الطَّريقيّة كما لا يخفى وليس ما يقابل الأمارة المنهيّ عنها أمرا واحدا دائما حتّى يقال بأنّ ارتفاع الظَّن منها غالبا من جهة كثرة الخطاء يوجب حصول الظَّن ممّا يقابلها مع أنّه لا يقدح فيما نحن فيه بصدده من القول بحرمة العمل به حتّى في مورد حصول الظَّن منه قوله قدس سره : ألا ترى أنّه يصحّ أن يقول الشّارع إلخ أقول : قد يتوهّم التّدافع بين ما أفاده وما ذكره قبل ذلك عن قريب بقوله فإنّ الظَّن ليس كالعلم إلخ بل بينه وبين ما أفاده من أوّل الكتاب إلى هذا المقام مرارا من عدم إمكان نهي الشارع عن العمل بالعلم فإنّ مقتضى ما أفاده في المقام إمكان نهي الشارع عن العمل بالعلم بإظهار عدم إرادة المعلوم عن العالم ومقتضى ما ذكره سابقا عدم إمكان ذلك كما هو قضيّة صريحة هذا ويمكن دفعه بأنّ المراد ممّا أفاده سابقا من عدم الجواز إنّما هو بالنّظر إلى الواقع والمكلَّف الملتفت بأنّ اللَّه تعالى يريد الواقع منه ومن كلّ أحد والمراد ممّا أفاده في المقام إنّما هو بالنّسبة إلى المكلَّف الَّذي لم يلتفت إلى ما هو المركوز في العقول من عدم جواز عدم إرادة الواقع منه وقد صرّح قدس سره بما يستفاد منه هذا التّفصيل في أوّل الكتاب في فروع اعتبار العلم فراجع هذا ولكن قد يناقش فيما أفاده من الفرق بين العلم والظَّن حيث لا يجوز تكليف المكلَّف على خلاف مقتضى الأوّل واقعا ويجوز تكليفه على خلاف مقتضى الثّاني واقعا بإظهار عدم إرادة الواقع منه بأنّه إن جوّز في حكم العقل إعراض الشارع عن الواقع في مادّة من المواد لأجل
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 265 | ميرزا محمد حسن الآشتياني